هل الحيوان أكثر وفاء من الإنسان؟ وإذا كان كذلك ماهي الأسباب التي تجعل الإنسان غادراً وجاحداً؟ من خلال مقاطع مرئية وصور متنوعة تُبيّن أن بعض الحيوانات حين يرأف أصحابها بها تقابل ذلك بالوفاء، وكانت صورة الجمل الذي لم يبرح قبر صاحبه لأسابيع حيث ترك مسكنه وهجر مرعاه وبقي إلى جوار القبر يتشمم التربة التي تغطي جثة مالكه وكأنه يناجيه ويبث لواعج حزنه على فراقه، أي وفاء هذا؟ ومقطع آخر لأسد مفترس حيث لم ينس جميل ومعروف صاحبه حين كان شبلاً، ورغم السنوات الطويلة التي قضاها بعيداً في الغابة إلا أنه حين شاهد صاحبه اندفع ليتمسح بجسده فكانت لحظة مدهشة تنم عن تغليب عاطفته الوجدانية على نزعته العدوانية ومكثا يتعانقان، وتظل الكلاب أكثر وفاء وإخلاصاً حيث تضحي بأرواحها في سبيل الذود والدفاع عن الأشياء التي اؤتمنت عليها من أغنام وخلافها وفي هذا السياق تنداح الذاكرة إلى قصيدة الشاعر علي بن الجهم حين أراد امتداح الخليفة المتوكل العباسي بقوله:
أنت كالكلب في حفاظك للود.. وكالتيس في قراع الخطوب.
لأنه ابن الصحراء ويعرف وفاء الكلب وشبَّه الخليفة بما يراه أهل لذلك في الوفاء والود، ولم يغضب الخليفة لأنه عرف سمو مقصد الشاعر وخشونة لفظه.
ولك أن تتخيل الكمد الذي أصاب أضلع وجوانح وكبد الراعي الذي أساء الظن في كلبه ساعة عودته إلى منزله ووجد جسده ملطخاً بالدماء فسارع إلى تصويب رصاصة قاتلة من فوهة بندقيته ليرديه قتيلاً وما أن هرول إلى داخل المنزل حتى وجد طفله سليماً، وإلى جواره ثعبان قد مزقه الكلب بأنيابه، لحظتها أدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبه بحق هذا الحيوان الذي صارع الثعبان من أجل حماية الطفل الرضيع.
وفي المقابل تناقلت وسائل الاتصال السريعة لشاب نُزعت من قلبه الرأفة والرحمة حيث سكب جالوناً من البنزين على فراء ثعلب وهو محبوس داخل قفص حديدي وأشعل به النار ليتركه ينازع الموت في منظر مؤلم للغاية فيما يقوم صديقه – وبتلذذ – بتصوير المشهد المحزن، وشاب آخر غلبت على قلبه القسوة والفظاعة حيث راح بسيارته يتعقب كلباً لا ذنب له في مساحة الصحراء الواسعة ويترصده بسيارته ليدعسه مراراً حتى الموت.
ما الذي دفع هؤلاء الشباب لأن يقوموا بفعلهم الشنيع وجرمهم المشهود بالإيذاء المتعمد لحيوانات لا حول لها ولا قوة، هل نزعت الرأفة والرحمة من قلوبهم؟ وما دوافعهم؟ وهل هذا مخرج سلبي عن التعليم؟ أم ما اكتسبوه من ثقافة المجتمع؟ نقول إن مثل هذه الأعمال الشنيعة تحتاج إلى دراسة معمقة من المتخصصين في علم النفس والاجتماع لعلنا نصل إلى نتائج نستطيع فهم الدوافع والأسباب وصولاً إلى حلول لمثل هذه المشكلة، لأن العقاب يلامس السطح ولا يصل إلى الجذر، مما نتوقع أن يقوم آخرون بمثل هذا الفعل دون رادع أخلاقي أو حتى ديني، ولو عدنا إلى ديننا الحنيف لوجدنا من الأحاديث النبوية التي تحض على الرأفة بالحيوانات وعدم إيذائها وإطعامها فالرسول الهادي الكريم قال «في كل كبد رطبة أجر» وفي حديث نبوي:
«دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».
ما أجمل ديننا الإسلامي وما أروع تعاليمه فهو دين حياة… وما أتعس مثل هؤلاء الشباب الذين يسيئون لأنفسهم أولاً وإلى ديننا البريء بسلوكهم الشنيع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٤٩) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٦-٠١-٢٠١٥)