* حدودهم هناك تتكسر مع دخول دولة جديدة في الاتحاد الأوروبي، وقرانا تزداد تفتتاً بسبب الحواجز الإسمنتية

لماذا لا يشعر المرء بوجود حدود بين الدول الأوروبية الـ 28 عندما يتنقل من بلد إلى بلد هناك، بينما يرتفع ضغطه حين يحل في مطار عربي؟
صادف وأن ارتحلت من بروكسل إلى جنيف دون أن ينظر رجل شرطة في وجه أحد من المسافرين الذين كانوا يعرفون وجهتهم ويهرولون صوب الحافلات والقطارات غير آبهين بأحد. ولأن الوقت الذي وصلنا إليه كان مزدحماً بالمعارض والفعاليات التي لا تنتهي في تلك المدينة الخلابة، فلم نجد فندقاً يأوينا لليلة نباشر بعدها العمل لننتشر في أرض الله الواسعة. حجزنا كان في فندق يقع داخل الحدود الفرنسية المحاذية لمدينة جنيف. لم نجد إلا بضع قطع بلاستيكية تشير لنا هذه هي حدود سويسرا لندخل الأراضي الفرنسية دون رقيب أو حاجز شرطة «يمرمطنا» ونحن نهم بالدخول إلى البلدة الفرنسية.
الحياة المعيشية في فرنسا أرخص من سويسرا، وموظف الاستقبال في الفندق يعمل صباحاً في مطار سويسري وفي المساء في فندق فرنسي، وهو يعمل بكامل طاقته لأنه يحتاج إلى مزيد من الدخل لترتيب حياته المعيشية مادام شاباً. هذا ما قاله لي في ساعة مبكرة من اليوم التالي وهو يهم لمغادرة مقر عمله في البلدة الفرنسية إلى جنيف السويسرية في يوم تدثرت الطرقات بثلج ناصع البياض.
حقا إن تلك الأرض هي أرض الله الواسعة التي يدعو فيها عباده للسعي في مناكبها، بخلاف كثير من الأراضي التي تذكر كلام الله ليل نهار، حيث الحواجز العسكرية والأمنية تمتد في مختلف الزوايا وتتمدد لتقرض ما تبقى من هواء نقي تتم مصادرته عبر وسائل وأدوات يصعب على الكافر استخدامها ضد بني البشر.
حدودهم هناك تتكسر مع دخول دولة جديدة في الاتحاد الأوروبي، وقرانا تزداد تفتتاً بسبب الحواجز الإسمنتية العملاقة التي تسيج بيوت الناس وطرقاتهم. كانت تلك بعضاً من شحنات صباحية انتابتني وأنا أهم بمطالعة إحدى الصحف الصادرة في فرنسا ونحن نستعد للذهاب إلى جنيف. ترى ما الذي حوَّل أوروبا إلى دولة كبرى تحتضن هذا العدد الكبير من دول تطاحنت في حروب كونية، بينما لا يستطيع بلد عربي واحد رفع حاجز أمني عن قرية نائية؟!
ثمة وهم لدى النظام الرسمي العربي بأنه قادر على حبس أنفاس مواطنيه ليستمر في ذات السلوكيات المدمرة. هذا السلوك قاد إلى احتقانات وفقر وبطالة وتخلف، حيث يعشعش الفساد في كل زاوية من زوايا هذا النظام المترهل الذي لم يخرج منه إلا الزبد الذي يذهب هباءً، بينما يواجه المواطن العربي مصيراً مجهولاً وحصاراً يخيّره بين الموت فقراً أو الموت ذبحاً وما بينهما، حتى وصلنا إلى مرحلة استنهاض الغرائز بكل أنواعها: القبلية والطائفية والمذهبية والعرقية والإثنية، وذلك لتبقى الطبقة السياسية في منأى عن المساءلة وعن وصول الناس إلى مستوى حياة البشر.
هذا الوهم القابع في قيعان الفكر الرسمي، يتلقى صفعة من نتاجات البشر الذين يبحثون عن الابتكار في الهواء الطلق بحرية.
تفيد آخر أرقام شركة آبل الأمريكية العملاقة أنها حققت أرباحاً قياسية في الربع الأخير من العام الماضي بلغت 18 مليار دولار، محتفلة بتكريس تربعها على عرش الشركات العالمية الكبرى بقيمة سوقية تبلغ قرابة 700 مليار دولار، متجاوزة شركة غوغل التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار ومايكروسوفت 387 مليار دولار.
لقد استثمرت هذه الشركات في الإنسان وبلغت المجد بفضل إبداعاته وابتكاراته بفضل ما يتمتع به من حرية وصلت بأن يكتشف الإنترنت العابر للحواجز الطيارة والثابتة وللحدود الإسمنتية التي لا تستطيع إيقاف تدفق المعلومات القادمة من أقاصي الأرض لتحرك الأسواق المالية في عواصمنا دون أن يتمكن أحد من صدها أو إيقافها رغم كل المحاولات المستميتة اليائسة لاصطياد واحتجاز فكرة جديدة عنت على أحد الذين وظفتهم تلك الشركات وقالت لهم: «إن وظيفتكم التفكير بحرية وابتكار الجديد لنقف على العرش بشموخ». هذه الشركات التي تحقق أرباحاً فلكية تضم بين جنباتها عشرات الآلاف من الموظفين الذين جزء منهم وظيفته فقط البحث عن فكرة جديدة. فشركة آبل، مثلاً، تضم نحو 72 ألف موظف، بينما تضم شركة مايكروسوفت قرابة 96 ألف موظف وغوغل 55 ألفا، يتنافس جميعهم على أسواق العالم لتقديم الهواتف الذكية والحواسيب العملاقة لتقدم للبشرية ورفاهيتها.. فماذا قدمت الأمة العربية؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٥٣) صفحة (١١) بتاريخ (٣٠-٠١-٢٠١٥)