في هذا الظرف السياسي الدقيق يتسلم الملك المثقف سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم خلفاً للراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله الذي أكمل مسيرة الملوك السابقين حتى غدت المملكة ورشة عمل ضخمة يشار إليها بالبنان في سرعة الإنجاز الحضاري. ولكي يتم عرض المشاريع التي أنجزت فلا شك أن ذلك يحتاج إلى سفر ضخم، وهي بارزة ومعروفة لجميع شرائح المجتمع، ويأتي الملك سلمان ليكمل المسيرة البيضاء ويتزامن مع هذه المرحلة التاريخية التي يمكن أن نصفها بالحساسة لأسباب تتعلق بالمشكلات التي تمور في المجتمع العالمي وكذا بظروف الدول المجاورة.
بعد أن عصفت رياح التغيير بكثير من الدول العربية تحت مسمّى «الربيع العربي» ومازالت تلك الدول تعاني من مشكلات كالفقر والبطالة وانعدام الأمن، والانشغال بالفتن، وهذا يضاعف المسؤولية على المملكة باعتبارها دولة محورية وبيت العرب في مساعدتها للخروج من هذه المآزق، بالتعاضد مع حكوماتها من أجل نهضة حقيقية ومستقبل بهي، وهذا الذي فعلته مع الجارة الكبرى مصر، وتتعاظم المسؤولية لإيقاف المد الإيراني الشيعي في جنوب الجزيرة العربية حيث أن الحوثيين يمثلون الخطر القادم سيما وأنهم فرضوا سيطرتهم على زمام الأمور في اليمن تقريباً، وكان ذلك بمساعدة ودعم مباشر من إيران التي تخطط للوصول إلى مفاصل الجزيرة العربية، ويعد هذا انتهاكاً غير مبرر وتدخلاً سافراً في شؤون الآخرين، مما يجعل هذا الملف أحد أهم الملفات الشائكة أمام الملك في هذه الفترة الراهنة، وندرك تماماً التعامل الذكي والحنكة السياسية التي يتميّز به قادتنا في معالجة مثل هذه الأمور مما يجعلنا نطمئن تماماً على كل الخطوات التي يقومون بها، ومن الجوانب المهمة التي تزامنت مع وصول الملك سلمان سدة الحكم الانخفاض الكبير لسعر البترول في السوق العالمي، ويمكن أن نصف هذا «بالملف المهم» لأن النفط هو المنتج الأهم للمملكة وتعتمد عليه بشكل كبير في صادراتها بما يزيد عن 90%، فميزانية الدولة ذات ارتباط وثيق وعلاقة مباشرة بسعر وإنتاج البترول، وهنا تأتي حكمة الملك سلمان في استبصار واستشراف المستقبل إزاء الظرف الاقتصادي الحرج، سيما وأن جميع مناطق المملكة تشهد نهضة جبارة في كافة الجوانب التنموية والملك حفظه الله أكثر حرصاً على استمرارية النماء والعطاء والازدهار من أجل مصلحة الوطن والمواطن. مما يحتم عليه تنويع مصادر الدخل القومي وعدم الاعتماد على البترول كلياً. ولكون المملكة العربية السعودية ذات مكانة مرموقة بحكم مكانتها الدينية والتاريخية وزعامتها الاقتصادية وحضورها السياسي فضلاً عن موقعها الجغرافي والاستراتيجي المميزين فإن ذلك يزيد من دورها في تحمل الأعباء في المرحلة القادمة خصوصاً وأن صيتها ملأ الآفاق في الوسط السياسي العالمي، فهي التي تحترم العهود والمواثيق كي يسود السلام العالمي ويعم الخير على الجميع، أمَّا على المستوى الداخلي فرغم القبضة الفولاذية للدولة ضد الإرهاب فما زالت هناك أعشاش للدبابير تجد التغذية الفكرية المنحرفة مما دفع ببعض الشباب الغر إلى الانجراف دون وعي وتمحيص لتبعات ذلك ودون معرفة لخلفياتها وما تؤول إليه من فتن، وهنا يأتي دور الجهات المعنية في البحث عن جذور المشكلة والمعالجة الحكيمة بهدف استئصال شأفة الشر وقطع دابر الفتنة. ومن المشكلات التي يتطلع الأهالي أن يجدوا حلولاً ناجعة وسريعة لمشكلتي البطالة والإسكان والأخيرة أرقت الكثيرين، ورغم دعم الدولة الضخم للوزارة المعنية إلا أنها إلى هذا الوقت لم تقدم حلولاً تحقق رضا المواطنين، أما البطالة فغدت ككرة الثلج تزداد حجماً عاماً بعد عام الأمر الذي يستدعي إيجاد حلول مناسبة تخدم شريحة الشباب الذين هم عماد الأمة. ومن خلال قراءة متأنية لسيرة الملك سلمان نجد أنه يمتلك الخبرات القيادية والمهارات السياسية فضلا عن سعة ثقافته وعلاقته القريبة من المثقفين والصحفيين ومتابعته الدقيقة وتصحيحه للأخطاء والتحفيز لمن أصاب، مما يجعلنا نتفاءل كثيراً في مقدرته على معالجة هذه التحديات وتجاوز الصعوبات سواء كانت داخلية أو خارجية، داعين له بالعون والسداد.
ومضة:
ودمعُ سلمانِ أذكى جمْر قافيتي
فشبّ في قلميْ ناراً وبركانا
بكى وكلُّ عيون الْكونِ باكيةٌ
حتّى غدا الشعبُ بعدَ الدمعِ سلمانا
بيتان من قصيدة رثائية رائعة في فقيد الأمتين العربية والإسلامية الملك عبدالله بن عبدالعزيز «يرحمه الله» للشاعر مسفر العدواني.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٥٦) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٢-٠٢-٢٠١٥)