أجمل الكتب هي تلك التي تصل إليها أو تصلك دون سابق تخطيط أو معرفة مسبقة بها. وغالبًا ما تتعرف على هذا النوع من الكتب إما عبر قراءاتك العابرة أو من خلال توصيات وحديث أصدقائك ومعارفك عنها. وأحد أجمل الكتب التي انتهيت من قراءتها مؤخرًا مما يدخل في هذا التوصيف هي رواية «اسأل الغبار» للروائي الأمريكي ذي الأصول الإيطالية جون فانتي «1909-1983م»، الذي أعترف أنني لم أكن قد سمعت باسمه من قبل قراءتي لهذه الرواية الرائعة، التي ستدفعني لقراءة مزيد من رواياته على الأرجح.
ولعل ما دفع بي أكثر للانصراف إلى قراءتها هو مقدمة الرواية التي تكيل مديحًا غير مسبوقٍ، وتزخر بحماسةٍ قل نظيرها، سطرها الشاعر والروائي الأمريكي تشارلز بوكوفسكي «1920-1994م». تلك المقدمة وحدها ستجعلك تقول لنفسك: «لا بد لي من قراءة هذه الرواية!».
من بين ما قاله بوكوفسكي في المقدمة، بعد حديثه عن رحلة بحثه عن كتاب مختلف: «وذات يوم تناولتُ كتابًا وفتحته، وإذا به هو. وقفتُ برهة، أقرأ. وكمَنْ عثر على كنز في قمامة المدينة، حملتُ الكتاب إلى الطاولة. تدحرجت الأسطر بسهولة عبر الصفحة، بل تدفقت. كان لكل سطر طاقته الخاصة يتبعه آخر مثله. كانت مادة كل سطر نفسها تُضفي على الصفحة شكلاً، إحساسًا بأنَّ شيئًا محفورًا فيها. وهنا، أخيرًا، كان رجل لا يخشى المشاعر. كانت الفكاهة والألم متداخلين ببساطة ممتازة. بداية ذلك الكتاب كانت بالنسبة إليّ معجزة جامحة وهائلة». «ترجمة: أسامة منزلجي»
تدفق الأسطر على الصفحة بسهولة، والطاقة الخاصة التي ينبض بها كل سطر، وشفافية اللغة وتوهجها برغم بساطتها هي الملمح الأبرز لهذا العمل الروائي الآسر الذي يأخذك بتلابيبك فلا تتركه إلا والشوق يحدوك إلى عودة سريعة إليه. لا يعمد الكاتب إلى استعراض مهاراته اللغوية وعدته البلاغية بشكل مفرط، ولا يدع للغة أن تقف حاجزًا ما بينه وبين القارئ الواقف على الضفة الأخرى من النص. إنه يكتب ببساطة وسلاسة آسرتين.
نشرت الرواية لأول مرة عام 1939م، وهي واحدة من أربع روايات تمثل ما صار يعرف برباعية بانديني نسبة إلى أرتورو بانديني، بطل تلك الروايات، الذي يمثل بدوره الأنا العليا للكاتب الذي لم يحظ بما يستحقه من شهرة وذيوع صيت ككثير من الكتّاب غيره، ممن قد لا تضاهي كتاباتهم ومنتجهم الإبداعي إجمالاً ما قدمه هو. الروايات الأخرى هي: انتظر حتى الربيع يا بانديني «1938م»، والطريق إلى لوس أنجلوس «وهي الرواية الأولى من حيث الترتيب الزمني ولكنها لم تنشر حتى عام 1985م»، وأحلام من بنكر هِل «1982م».
وتدخل روايات فانتي إجمالًا فيما بات يُعرف برواية السيرة الذاتية، التي يتكئ فيها الكاتب بشكل كبير وأساسي على سيرته الذاتية، مع إخراجها في قالب روائي يجعل الحدود متماهية ما بين عالم الواقع وعالم الخيال، فلا تعرف الحدود الفاصلة أو الرابطة ما بينهما بشكل واضح. ولعل أبرز مثال على هذا النوع من الروايات في منتجنا الروائي العربي هي روايات الروائي المغربي محمد شكري.
تتمحور أحداث الرواية حول شخصية الكاتب الشاب الذي يشق طريقه بصعوبة في عالم الكتابة وعلاقته بنادلة تعمل في أحد مقاهي بنكر هِل، أحد أحياء لوس أنجلوس الفقيرة التي يقطن بدوره في أحد نزلها المتواضعة. منذ البداية تبدو العلاقة بينهما ملتبسة ومتأرجحة ومتقلبة مثل علاقته بالكتابة التي لا تسلس لها قيادها دائمًا. تستمر هاتان العلاقتان المتأرجحتان، علاقته بكاميلا لوبيز، ذات الأصول الإسبانية من جهة، وبالكتابة من جهة أخرى، لتختتم أولاهما بنجاحه في نشر روايته الأولى بعد جهد جهيد، والأخرى بنهاية صادمة وغير متوقعة. كان بودي أن أكتب المزيد غير أن المساحة المتبقية من الزاوية لا تتيح لي إلا أن أتوجه بالشكر للصديق عبدالله فهد الذي دلني على هذه الرواية الرائعة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٥٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٤-٠٢-٢٠١٥)