كنت وأفراد عائلتي في طريقنا إلى مقر مهرجان جدة التاريخي في البلد، وحتى نضمن الوصول دون جرعات من العناء ووخزات من التوتر النفسي بسبب ازدحام السيارات التي تشهدها جدة في إجازة منتصف العام الدراسي، امتطينا سيارة أجرة لربما أعرف سائقها بالمختصر من الشوارع والممرات الأقل ازدحاماً، بحكم خبرته.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن كل الشوارع في ظني كانت تتكدس بمختلف أنواع السيارات، وقتها تماهى إلى خيالي وجود عربات قطار تمخر أرجاء جدة وصولاً لأي مكان يرغبه الزائر، وكأني بكثير من أصحاب تلك السيارات استبدلوا مركباتهم بالقطار الأكثر راحة، والأسرع وصولاً، والأقل تكلفة، والأدنى استهلاكاً للوقود. عندها تخيلت المدينة بشكل يدعو للراحة والابتهاج، ليس هناك ما يلوث هواءها وليس هناك من خطورة على طبقة الأوزون الذي أضحى شبحاً مخيفاً لسكان العالم، وبينما كان خيالي المتمرد يُحلِّق في فضاء جميل، أدركت بعد أن قطع حلم اليقظة صوت مزعج لمنبه سيارة يود سائقها أن يتجاوز بأي شكل، ووسط هذا الحلم اللذيذ برز الواقع المؤلم طوابير من السيارات المتراصة تقبع ولمسافات بعيدة خلف إشارة المرور انتظاراً مملاً، وسيراً بطيئاً، وضيقاً في الصدور، وبعد عناء شديد وَصَلت السيارة الأجرة إلى مقر المهرجان، حيث هناك مساحة ضيقة يُسمح بالنزول ومن ثم الترجل تحفهم مخاطر السيارات العابرة، عندها تأكد لي أن كثيراً من المشاريع المنجزة لدينا تبدأ بالتنفيذ ثم التخطيط وأخيراً التفكير، وهذا الهرم التخطيطي المعكوس هو السبب في ظني لحدوث هذا الشقاء المروري الذي نعيشه في المدن الكبيرة كالرياض وجدة والدمام ومكة وغيرها.
ولكم أن تلتقطوا بعدسات عيونكم ما تعانيه شوارعنا من جراحات متنوعة فترى بعض الشركات تشق خاصرة الشارع وبعد أسابيع ثانية تأتي أخرى تغرس أنياب معداتها في صفحة الإسفلت وبدون هوادة، وثالثة تغرس سكينة سوء التخطيط في الشارع نفسه حتى تصبح قشرة الإسفلت مرقَّعة من كثرة الندوب والجروح والكدمات، وهكذا تستمر.. وتستمر، في هذا الجو المفعم بعلامات الاستغراب والاندهاش تقفز كلمة «لو» أن التنسيق جاء مبكراً بين جميع الشركات في وقت واحد لتهيئة بنية تحتية والاكتفاء بسفلتة ولمرة واحدة لقللنا من التكلفة المادية، وخففنا من العناء الذي يلحق بالمواطنين من أرتال السيارات التي تختنق بين الحين والآخر في شوارع ضيقة بسبب الحفر والدفن.
وفي قرارة نفسي أقول يخسأ الشيطان الذي يدفع كلمة «لو» على سطح لساني، وعلى الرغم من ذلك نقول ليتهم فكروا أولاً: ثم خططوا ثم نفذوا، وفي السياق نفسه تبرز حكاية كورنيش جدة لتغدو منافسة لحكاية ألف ليلة وليلة، فلا يمكن للزائر الذي يود أن يشتم رائحة نسيم البحر ويمتع ناظريه بأمواجه الزرقاء لا يمكنه أن يحقق مبتغاه لكثرة السيارات، فلا يجد موقفاً لمركبته، فضلاً عن تجاوز بعض السائقين سقف حريته الشخصية برفع صوت مسجله ليفرض مشاركة الآخرين الاستماع إلى مقطوعته الغنائية التي يهواها ويحرك رأسه يمنة ويسرة انسجاماً معها، فضلاً عن تلك الجدران التي يقف البحر خلفها كعروس محبوسة، عندها يعود الزائر أدراجه حزيناً، ولمّا كانت الرحلة إلى البحر فيها من التعب فياليت أمانة جدة وهي المعنية بالدرجة الأولى المسارعة في فتح نوافذ واسعة على البحر وتسعى لإزالة كل ما يعيق الاستمتاع بالبحر الذي خلقه الله لكافة البشر دون استئثار أحد به وحرمان الآخرين لغرض تكسبي، ولما كانت جدة ثاني أكبر مدينة بعد الرياض من حيث التعداد السكاني والامتداد العمراني وكل مدننا غالية على قلوبنا، فإن الإسراع في إكمال مشروع الصرف الصحي أحد أهم المطالب في الفترة الراهنة، هل تصدق أيها القارئ الكريم أن كلمة «لو» هي الأخرى عجزت أن تُقدّم شيئاً وبالتالي فالأمنيات قابلة للتبخر، ووزارتا البلديات والمياه ماذا تعتزمان أن تفعلاه؟ هل هناك أزمة لم تتمكنا من فك شيفرته؟ لماذا يخفق كثير من الشركات في إنجاز عملهم في الوقت المحدد؟ هل هناك تواطؤ بين.. وبين؟ وهل يضمن منفِّذ المشروع عدم تسليم مستحقات التأخير؟ لربما كلمة «هل» هي الأخرى تنهال وليس هناك من إجابات واضحة ومُقنعة، وأيضاً بارزة ومشاهدة، ما الأسباب وما الحلول؟ وكيف نتجاوز هذه العلل والإشكالات؟ وإلى متى تستمر؟ أسئلة تشظى..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٦٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٩-٠٢-٢٠١٥)