* تتحمل القوى السائدة الماسكة بزمام الأمور المسؤولية الأكبر باعتبارها الأكثر تقريرا وتحويلا لمسارات الأمور بما يخدم ويعزز هذه القوى. تحمل المسؤولية يعني القدرة على التنازل..

يعتبر هذا السؤال الأكثر مشروعية في بلدان التوتر العربية، التي شهدت ساحاتها جولات متتالية من الحوار والمفاوضات بين القوى الفاعلة، لكن أغلب خلاصاتها انتهت إلى الفشل، وكأن الحالة العربية محكومة باستمرار التأزم والتفتيت ومغادرة هامش التاريخ والعودة إلى الجاهلية الأولى التي تبدأ باشتباكات محدودة ثم تتمدد وتنتشر كانتشار النار في الهشيم فتأتي على الأخضر واليابس وتتحول عملية التدمير التي بدأت عبثية، إلى منهاج عمل يتم تمويله من قوى ودول إقليمية ودولية، فيصار إلى تبخير الحل الوطني ويتموضع مكانه التجاذبات الخارجية التي لا ترى في حمام الدم المستمر إلا من زاوية تحسين شروط التجاذب وتحقيق مصالح تلك الدول أو القوى الخارجية.
في كل الحالات، تتحمل القوى السائدة الماسكة بزمام الأمور المسؤولية الأكبر باعتبارها الأكثر تقريرا وتحويلا لمسارات الأمور بما يخدم ويعزز هذه القوى. تحمل المسؤولية يعني القدرة على التنازل لخلق وقائع جديدة على الأرض من أجل تحقيق معادلات تمكين المجتمع من التقاط أنفاسه والبقاء على الهامش بدلا من أن يزاح بطلقات رصاص أو بتفجير أحدهم نفسه في سوق للفقراء أو مطعم «للباجا» يستمد زبائنه بعض الطاقة من «كراعين» ورؤوس وكروش الدواب، كما يحدث في المدن العراقية منذ أكثر من عشر سنوات، حيث القتل على الهوية ورهان قوى إقليمية على تفتيته إلى دويلات صيغت بعناية في دستور «فيدرالي» مرسوم بمحاصصة تم تغذيتها بفساد مالي وإداري يزكم الأنوف في مختلف مستوياته، قاد إلى فشل النخب في الوصول إلى حل يبعد البلاد عن شبح الاقتتال الداخلي، حتى جاء تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وفرض معادلات جديدة من المواجهة والاجتثاث وأفرز تهديدا خطرا يؤدي إلى تقسيم العراق على أسس طائفية ومذهبية وعرقية. حصل ذلك بعد أن فشلت النخب السياسية في الوصول إلى تفاهمات تبني العراق الجديد.
وفي سوريا لم يتم الإنصات لأنين الناس وعذاباتهم، لتتفاقم الأزمة ويتم عسكرة الحراك الشعبي فوصلت إلى الخواتيم المدمرة، خصوصا بعد أن تدخلت القوى والدول الإقليمية والدولية وتدفق عشرات الآلاف من المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم ليشكلوا حالتهم المسلحة ولتتم تصفية الحسابات بينهم على الأراضي السورية التي يدفع المواطن فيها ثمنا كبيرا حتى أصبح أغلبيته لاجئا، إما في وطنه أو في دول الجوار. والخلاصة أن الحل لم يعد سورياً بعد ربع مليون قتيل، بل في العواصم الكبرى وفي أروقة القوى الإقليمية المؤثرة، إذ لم ينجح مؤتمر جنيف واحد ولا مؤتمر جنيف 2 ولا حتى مؤتمر موسكو الأخير بسبب السعي الحثيث لتحقيق مكاسب على الأرض تحسن شروط التفاوض الفاشلة أصلا. ولا يختلف الأمر في ليبيا، فالجماعات المسلحة لم تقتنع بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار حتى وصلت البلاد إلى حافة الإفلاس، ومع ذلك لم ينتج عن مؤتمر جنيف مؤخرا أي نتائج، بل امتدت الاحترابات إلى مناطق جديدة خصوصا تلك التي تنعم بثروات نفطية يتم بيعها في السوق السوداء بأسعار بخسة فوق ما هي أسعار النفط منهارة إلى أقل من النصف قياسا إلى أسعارها قبل ثمانية أشهر.
أما اليمن فقد وصل إلى حافة الهاوية بعد الفراغ السياسي إثر استقالة الحكومة والرئيس وإقدام الحركة الحوثية على إطلاق الإعلان الدستوري والشروع في تشكيل مجلس رئاسة، مستفيدة بعدم الالتزام بنتائج الحوار الوطني الذي جاء بناء على المبادرة الخليجية وتأييد الأمم المتحدة وعشر من العواصم الكبرى، ولايزال الوضع في مهب الريح بالرغم من دعوة المبعوث الأممي جمال بن عمر إلى الشروع في حوار جديد يضع حدا لهذا التدهور الأمني والسياسي، بينما تواجه مصر استحقاقات تردي الوضع الاقتصادي وانتظارها لحقن المساعدات الخليجية التي يبدو أنها تراجعت بسبب انهيار أسعار النفط وهبوط العائدات إلى مستويات قياسية ستؤدي إلى عجوزات في الموازنات العامة بدول المجلس. وتأتي هذه المعطيات في ضوء مضي الحكم هناك قدما في اجتثاث جماعة الإخوان المسلمين والقوى المتوافقة معها، في ظل التردي الاقتصادي وتزايد الأزمات المعيشية.
الوجه المشرق في هذا الوطن العربي الكبير بمصائبه واحتقاناته هو الحالة التونسية التي تمكنت نخبها السياسية من العبور إلى بر الأمان، حتى الوقت الراهن على الأقل، حيث قدمت القوى الرئيسية تنازلات متبادلة، وحيث درست حركة النهضة التجربة المصرية بعمق، لتصل إلى خلاصات عدم تجريب المجرب، وتفادت الدخول في المجهول وقبلت الشروع في الانتخابات النيابية والرئاسية على أرضية جديدة، رغم التنازلات المؤلمة التي قدمتها هي والقوى المختلفة معها.
ليس هناك خيار غير الحوار الجاد الذي ينبغي على الأطراف المختلفة أن تقتنع به وبضرورة خوض غماره حتى الوصول إلى نتائج مرضية لجميع الأطراف بهدف الوصول إلى تقاطعات تنتج خلاصات تؤسس للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تؤمن إيمانا قاطعا باحترام حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية، وبالحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية الرأي والتعبير، والديمقراطية القائمة على ما وصلت له أفضل التجارب الإنسانية، والعدالة الاجتماعية المرتكزة على التوزيع العادل للثروة، وتحقيق المواطنة المتساوية بين جميع المواطنين بغض النظر عن جنسهم ولونهم وديانتهم وعرقيتهم والإيمان الحقيقي بتداول السلطة.
إن الحوار والتفاوض بين أطراف العمل السياسي ليس ترفا، بل هو ضرورة. ومن يعتقد أنه يقطع الوقت لاستحقاقات قادمة أو لاستثمار وضع إقليمي قد يخدمه في قادم الأيام واهم ويقود بلاده إلى العزلة وإلى الشطب من الخارطة العالمية على كافة المستويات بما فيها المستويات الإعلامية التي أضحت جزءا من معطيات تقنيات الثورة المعلوماتية التي لا يمكن حجبها بقرارات وقوانين تعود إلى ما قبل ثورة المعلومات حتى وإن استخدم الإعلام الرسمي لرتق فتوقها.
تفشل الحوارات الداخلية لأن الأولوية تحولت إلى القبلي والطائفي والمذهبي والحزبي.. وتلك هي الطامة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٦٧) صفحة (٩) بتاريخ (١٣-٠٢-٢٠١٥)