بعض الكتاب طرحوا فكرة دمج وزارتي التربية والتعليم العالي لتجاوز مشكلة قائمة بينهما، حيث إن وزارة التعليم العالي تستقبل خريجي المرحلة الثانوية بمسطرة القياس تحت مسمى اختبارات قبول، وبعدها يخضع الطالب المقبول لدراسة (سنة تحضيرية)، وهذا مؤشر واضح بعدم قناعة الجامعات في مخرج التربية، واقتنصت وزارة التربية هذا التشكيك بإخضاع خريجي الجامعات الراغبين في الالتحاق بمهنة التدريس لاختبار، ليتسنى للذين يتجاوزون هذه العقبة القبول كمعلمين. أما الذين طرحوا فكرة الدمج لربما كان هذا أحد أهم المبررات، ولمّا صدر القرار بدمج هاتين الوزارتين كنت ومازلت أتخيل صعوبة الدمج بين أكبر وزارتين، حيث إن عدد طلاب وطالبات الجامعات السعودية يناهز المليون، فيما يُقدر عدد الاكاديميين من أساتذة مساعدين ومشاركين ومحاضرين ومعيدين 50 ألفا، فيما يزيد عدد طلاب وطالبات التعليم العام عن مليوني طالب، ويصل عدد المعلمين والمعلمات إلى نصف مليون. هذا يعني أن من البديهي ابتكار إدارات جديدة وإلغاء سابقة، وفتح قنوات تواصل وتنسيق مع الاستعانة ببرامج تقنية حديثة، ولمّا أصبح الدمج واقعا بعد القرار الذي اتخذ، واستبدل الاسم بوزارة التعليم ليكون وزيرها والفريق الذي معه مسؤولين عن إنجاح هذا المشروع، مما يتطلب الإسراع في بناء أنظمة جديدة مع إعادة الهيكلة الإدارية للوزارة كخطوة أساسية، لنتساءل عن مصير مديري التربية والتعليم الحاليين، وما سيكون موقعهم في التشكيل الجديد مع قرنائهم وكلاء الجامعات، ولربما يُنظر للأجدر من أصحاب الكفاءات منهم.
وأعرف من خلال عملي في وزارة التربية والتعليم لما يزيد عن 3 عقود – أعرف – الجهود والمبادرات الاستباقية التي حدثت في فترة وزارة الدكتور الراحل محمد الرشيد، حيث كان هاجس الوزارة وقتها تحسين وتطوير العملية التعليمية والتربوية، حيث تم تطبيق كثير من المشاريع والبرامج التربوية ومن بينها، التقويم المستمر والتقويم الشامل وبرنامج موهبة وتطوير المناهج الدراسية وكانت اجتهادات جيدة، تحقق من خلالها قليل من النجاحات وكثير من الإخفاقات، ليس لكونها برامج ضعيفة بل لأن أسلوب التطبيق يتفاوت من مدرسة لأخرى ومن معلم لآخر، وهذا يعود لمقدار كثافة البرامج التدريبية ومدى استيعابه من قبل المحور الأساس في العملية التعليمية والتربوية وهو المعلم، وأكبر مثال على ذلك التقويم المستمر الذي طُرح في الميدان، فكان المخرج ضعيفاً والنتائج هزيلة. وقد شكا كثير من المعلمين في المرحلة المتوسطة، الضعف الواضح لدى الطلاب القادمين من المرحلة الابتدائية، في أساسيات القراءة والكتابة والرياضيات. والسبب ليس في البرنامج بل في آلية التطبيق. حيث لم يخضع المعلمون إلا لدورات قصيرة جدا ولم تحقق المرجو منها. وفي الفترة الماضية طبقت الوزارة كثيرا من البرامج إلا أنها تظل تجارب، وهي مشكلة كؤود تعاني منها وزارة التربية والتعليم. حيث إن البرامج يأتي بها القياديون في الوزارة وتُطبق دون مراحل تجريبية، أما وزارة التعليم العالي فهي تُحلق بعيدا عن شؤون وشجون التعليم، بل تكاد تكون في معزل حقيقي. وكثير من البحوث والدراسات بعيدة عن خدمة المنهج أو الطالب أو المعلم، وإن وجد النزر القليل فيتم الاحتفاظ به داخل الأدراج دون فائدة، وبالتالي تصبح هدرا واضحا للمال والجهد والوقت. وبعد أن استقر الرأي على دمج هاتين الوزارتين المهمتين اللتين تعدان محورين مهمين لتطوير الإنسان، لكونه القيمة الراجحة للتحضّر، فإن التفاؤل يدفعنا إلى التفكير في جوانب إيجابية ستحدث أولا ردم الفجوة التي كانت قائمة بينهما، عندها ستكون الكرة ساكنة لا تتقاذفها الأقدام كما كان يحدث سابقاً.
ثانيا: ستصبح وزارة التعليم هي المعنية بالإشراف على تسلسل تعليم الطالب من بواكير دراسته حتى تخرجه من الجامعة، ومسؤولة عن مستواه ومدى قدرته على الإبداع والعطاء وتحمل المسؤولية والتمكن من خدمة المجتمع بكل اقتدار.
ثالثا: تقليص التكاليف المادية المهدرة من جراء استحداث السنة التحضيرية والاختبارات التعجيزية، التي من أهدافها إثبات الوجود «نحن هنا» وراح ضحيتها كثير من المعلمين الذين أخفقوا في الحصول على رخصة معلم، بسبب أسئلة تعجيزية بعيدة عن مجال تخصصهم.
رابعا: التفكير في التخصصات ذات القيمة لخدمة المجتمع والتقليص من التخصصات التي تزيد العبء عليه، بتراكم الخريجين دون تمكنهم من العثور على وظائف.
ضرورة التنسيق مع وزارة التخطيط في هذا الشأن، كي لا تزداد نسبة البطالة المقنعة بوجود موظفين كثر لعمل قليل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٧٠) صفحة (١١) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٥)