* خرجت داعش من رحم القاعدة، وهذا ما يساق للقارئ في الإعلام متعدد الأوجه، حيث خرج البغدادي على الظواهري وسخفه للدرجة التي لم تقم قائمة لزعيم القاعدة..

حدثني صاحبي القادم من تونس قبل عدة أسابيع أن سائق سيارة الأجرة الملتحي دخل في أطراف الحديث معه ليقول إن ما يفعله داعش ويبثه في وسائل التواصل الاجتماعي بتقنيات عالية على وسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا مزحة عندما يأتي زمان آخر يفوق فيه التنظيم الجديد فظاعة في أفعاله. وأضاف صاحب التاكسي «إننا نطبق الإسلام الصحيح». بعد أسابيع شاهدت مقطعاً من فضائية التحرير المصرية تنقل عن أحدهم التالي: «نحن في زمان الجهاد وقد أظلنا زمان الجهاد.. والجهاد في سبيل الله متعة الصحابة السابقين يتسابقون عليه.. إحنا الفقر اللي فيه بسبب ترك الجهاد.. لو كنا كل سنة نغزو مرة ولا مرتين ولا ثلاث مرات سيثرى ناس كثيرون في الأرض.. واللي يرفض هذه الدعوة ويحول بيننا وبين هذه الدعوة سنقاتله ونغزوه ونأخذ أموالهم وأولادهم ونساءهم.. وكل واحد مجاهد يرجع من الجهاد جيبه مليان معاه ثلاث أربع نسوان وثلاث أربع أولاد ومعها ستمائة درهم معاه مالية كويسة.. لو هو فكر يعمل صفقة عمره ما راح يعمل المالية دي…».
نقل هذا التسجيل على فضائية التحرير المصرية الذي كان ضيفها في الحوار رافعا كتابا ويردد أن كلام «الشيخ لم يأت به من عنده»، بل من الكتاب المرفوع الذي يدرس في مدارس «الاعتدال» في إحدى الدول العربية الكبرى. يقرأ الضيف من الكتاب الذي يتم تدريسه للفتية في الثانوية: «وإذا فتح الإمام بلدة عنوة، إن شاء قسمها بين الغانمين وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج. وإن شاء قتل الأسرى أو استرقهم أو تركهم ذمة للمسلمين.. وإذا أراد الإمام العود ومعه مواش يعجز عن حملها ذبحها وحرقها وحرق الأسلحة، ويمشي إلى دار الإسلام، فإذا عجز الرجال من الأسرى عن المسير قتلهم، وإذا عجزت النساء والأطفال عن المسير وضعهم في أرض مضيعة حتى يموتوا عطشا وجوعا. وليس عليه أن يقتل الحيات والعقارب، حتى يكثر أذاها للكافرين».
الحقيقة أنني فجعت من هذه المعلومات الجديدة عليّ وأظن أنها جديدة على كثير من القراء، خصوصا ونحن في القرن الحادي والعشرين الذي يفترض أنه أرسى ما أنجزته الإنسانية من قيم وقواعد لحقوق الإنسان وأن هذه الأخيرة قد أصبحت جزءا من دساتير الدول المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة. لكن المفاجأة أن مثل هذه الأفكار التكفيرية المعبرة عن عقلية لا ترى غيرها في جنة الخلد. فهذه مناهج دراسية تعلم لطلبة الثانوية، والاستغراب هنا ليس في مكانه ونحن نعيش نتاجات مثل هذه المناهج التي تدرس في عديد من الدول العربية والإسلامية.
في الرواية، خرجت داعش من رحم القاعدة، وهذا ما يساق للقارئ في الإعلام متعدد الأوجه، حيث خرج البغدادي على الظواهري وسخفه للدرجة التي لم تقم قائمة لزعيم القاعدة. تنظيم القاعدة معروف المنشأ والدعم منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان نهاية سبعينيات القرن الماضي تحت يافطة الدعم الأممي النزيه، وحين اشتد عود التنظيمات التي فرخها تنظيم القاعدة ولدت داعش من الرحم القاعدي بعد سنوات قليلة من مقتل أبو مصعب الزرقاوي. ومن ذات الرحم خرج التنظيم المنافس الآخر: جبهة النصرة. وعلى أرضية «أين ما تمطرين يأتي خراجك»، فليس هناك من فرق بين الذي بشر به صاحب التاكسي التونسي بتنظيم أشد توحشا من داعش وبين ما يبشر به اليوم بعضهم بمولد تنظيم جديد من رحم داعش هو تنظيم خراسان. هذا التنظيم يعتبر جديدا في التداول الإعلامي، لكن الولايات المتحدة الأمريكية وصفته بأنه متخصص في ضرب المصالح الغربية في عقر دارها وبالتالي وجهت ضرباتها له في موقعه الرئيسي بإحدى مناطق سوريا تحسبا لأي عمليات في الدول الغربية. لكنه اليوم يوصف بغير ما روجته واشنطن، حيث يجرى بث الرعب من جديد لما بعد داعش التي قد تتلاشى مع الضربات المتتالية عليها. ضربات لها ارتدادات في المناطق الموجود فيها التنظيم الأكثر توحشا في العالم، فكانت ردة الفعل الأولى على الضربات التي وجهها الطيران الحربي المصري في ليبيا تمدد التنظيم ومحاولة اختراقه الأراضي التونسية التي فقدت أربعة من جنودها في أول اختراق بعد الضربة المصرية.
بعيدا عن الأرحام التي تولد التنظيمات المتوحشة، أليس هناك من أرحام أخرى غير تلك التي نعرفها؟ في الوهلة الأولى يطبق الإعلام علينا ليزرع في أدمغتنا أنه ليس من مفر إلا الاقتناع بما يقوله. لكن الحقيقة في مكان آخر، حيث لا تحتاج هذه التنظيمات إلى حاضنة متوحشة مادامت المناهج التي تدرسها بعض الدول العربية والإسلامية تؤسس للفكر التكفيري وتستنسخ التنظيمات في عقول الشباب الذين هم اليوم المادة الأولى والرئيسة لداعش.. وخراسان غدا. فتناسل التنظيمات الإسلاموية ينبع من رحم الكتب التي تم تزوير محتوياتها لتحرير شهادات ميلاد لمن يكون أكثر بشاعة وتوحشاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٧٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٠-٠٢-٢٠١٥)