يُعدُ قصر الحكم في الرياض أول مكان تتم فيه البيعة لأي ملك يُنادى به حاكماً على البلاد وأصبح ذلك تقليداً في عرف الحكم السعودي منذ بداية تولي الملك سعود الحكم بعد وفاة والده -طيب الله ثراه- ومن جاء بعده من الملوك -رحمهم الله- وقصر الحكم بالرياض يحمل في طياته كثيرًا من الذكريات والمواقف التاريخية المجيدة وله قصة كفاح على مر السنين، وجاءت شهرة هذا القصر بعد أن أسسه الإمام تركي بن عبدالله مؤسس الدولة السعودية الثانية بعد أن اتخذ الرياض عاصمة لحكمه بدلاً من الدرعية التي تهدمت بسبب الحصار والهجوم الذي تم من قبل قوات إبراهيم باشا سنة 1233 ه، حيث أتم بناء أسوار المدينة والجامع، ومن ثم أكمل ابنه الإمام فيصل بن تركي بقية بناء القصر، الذي في عهده كانت زيارة الرحالة الإنجليزي «وليام بلجريف» الذي وضع مخططاً تفصيلاً للقصر في عام 1862م جاء فيه أن القصر يتكون من ثلاثة طوابق وارتفاعه ما بين 15 إلى 18 متراً وكان أشبه بالقلعة، ولم يكن للطابق الأرضي أي نوافذ، وكان المدخل الرئيسي للقصر عبر بوابة صغيرة منخفضة وضيقة وإلى جانبها مقاعد طينية طويلة للجلوس، وكان للقصر فناء واسع وجناح للضيوف وسجن ومصلى خاص.
وفي عهد المؤسس -طيب الله ثراه- وتحديداً سنة 1327هـ اهتم بتوسعته وجعله مقراً لحكمه، حيث كان يأتي من قصر المربع مقر سكنه إلى قصر الحكم ليدير شؤون الدولة كل يوم، واستمر القصر في مهامه على هذه الحال إلى عهد الملك فيصل -رحمه الله- وكان من مهام القصر استقبال الضيوف ومقر للأعياد والاحتفالات الرسمية.
ويذكر عبدالله فلبي في وصف القصر أن له أقساماً كثيرة مثل: الديوان الملكي الذي يضم المجلس الخاص، وله أعضاء يُسمون الجماعة أو «الربع» وينعقد مرتين في اليوم برئاسة الملك عبدالعزيز، جلسة قبل الظهر وجلسة بعد العصر، وكانت أعمال الديوان الملكي تتم في الطابق الأول من الجناح الشمالي الذي يحتوي على غرفة ديوان الملك ومجلسه الخاص بالإضافة إلى مجلسه العام، وكان للقصر بوابتان كبيرتان تقع إحداهما في شرق القصر ويطلق عليها بوابة «أبو عشرة» نسبة إلى حارس الباب ويوجد في هذا الباب فتحة صغيرة تظل مفتوحة ليلاً لسكان القصر، أما البوابة الثانية فجهتها وسط شمال القصر وعليها برج وتسمى «بوابة ابن عصفور» وهي مخصصة للضيافة والمخازن، وقد ذكر فلبي في زيارته الأولى للقصر أنه كان في حالة تهدم وكان يخضع للبناء والتوسعة للمساكن الداخلية، وبعد زيارته الثانية ذكر أن القصر شهد تغيراً كبيراً طالت واجهة القصر التي كانت بشموخها تُعدُ لوحة معمارية في نجد.
ولقصر الحكم تاريخ طويل مع الملك سلمان حيث ظل فيه ما يقارب الخمسة عقود لم يفارقه أبداً، وهو الذي أشرف على تجديد بنائه بشكله الحالي الحديث، لذلك فقد انطلقت رحلة الملك سلمان -حفظه الله- السياسية من هذا القصر، ويُعد -حفظه الله- هو مهندس «بيعة» إخوانه الملوك الذين تولوا مقاليد الحكم آنذاك، حيث تتم في قصر الحكم تحت إشرافه ومتابعته، وللبيعة مراسيم وشكليات متعارف عليها من قبل الجميع، فلذلك يجتمع الملك وولي العهد الجديدان لاستقبال جموع المبايعين في القصر، خلاف الضيوف من الرؤساء والوزراء القادمين من الخارج، لذلك مهمة البيعة في ذلك اليوم تكون مهمة كبيرة يتابعها الملك سلمان عندما كان أميراً على الرياض بكل دقة واهتمام.
وتُعدُ بيعة الملك سلمان هي البيعة السادسة لأبناء المؤسس التي شهدها قصر الحكم، إلا أن هذه البيعة تميزت عن سابقاتها بوجود ولي ولي العهد يبايعه الناس مع الملك وولي عهده، والملك سلمان رجل الإدارة والإرادة لم يغب عن المشهد السياسي والمحلي نهائياً منذ أن بدأ حياته السياسية، فلا غرابة أن يُبهر العالم أجمع بحزمة قراراته التي أصدرها بعد وفاة أخيه بساعات، حيث ألجم مروجي الشائعات وطمأن الشعب بتلك القرارات الصائبة التي أمر بها -حفظه الله- والملك سلمان رجل التاريخ، ومؤرخ الأسرة المالكة، ومهتم بالتاريخ خاصة تاريخ الدولة السعودية، فهو من اهتم بتطوير دارة الملك عبدالعزيز حيث أصبحت تضم أقساما توثيقية عن التاريخ السعودي أهمها: قسم الوثائق والمخطوطات، وقسم التاريخ الشفوي، وغيرهما من أقسام المصادر والمراجع الحديثة التي تتحدث عن تاريخ الدولة السعودية، كما أشرف على مركز توثيق تاريخ مكة المكرمة وتاريخ المدينة المنورة، وحرص على توثيق تاريخ الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى والأماكن المهمة فيها كالطرفية وغيرها.
الملك سلمان -حفظه الله- لديه أولويات مهمة فهو يسير على خطى إخوانه الملوك من قبله حيث تعودنا جميعاً منهم أن المواطن هو الأولوية بالنسبة له دائماً، لذلك نحن على مشارف حقبة جديدة من التنمية.
ويأتي صاحب الخبرات العسكرية والإدارية والاستخباراتية الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين، الذي تخرج في المدرسة العسكرية سنة 1968م، ومارس العمل العسكري، بعدها تحول إلى إدارة الحكم المحلي بتوليه إمارة حائل سنة 1400ه لمدة عشرين سنة، ثم انتقل أميراً للمدينة المنورة، تشرب من خلالها إدارة الحكم المحلي، وفي سنة 1426هـ عُين رئيساً للاستخبارات العامة حتى عام 1433هـ، وتعرف على القضايا السياسية الحساسة وكيفية التعامل معها من خلال عمله، فولي العهد يجمع خبرات عسكرية ومحلية ودولية تجعله يمارس عمله بكل اقتدرا، أضف إلى ذلك خلقه الرفيع وابتسامته الدائمة المليئة بالتفاؤل والمحبة.
أما ولي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية فهو من فئة الصقور الشباب الذي نهل من مدرسة والده الأمير نايف -رحمه الله- عندما كان مساعداً له للشؤون الأمنية، وكان ملف مكافحة الإرهاب من أهم الملفات التي تولاها الأمير محمد ونجح بكل اقتدار بشهادة العالم أجمع، ثم توليه حقيبة الداخلية التي بدأ بتطويرها وأتمتة أغلب أعمالها حتى أصبحت من أولى الوزارات التي تتعامل إلكترونيا مع مراجعيها مما أراح الناس من مراجعة الجوازات والأحوال المدنية والمرور وغيرها لإنهاء طلباتهم، حيث جعل الطريقة التقليدية القديمة في العمل من صفحات الماضي.
ختاماً نسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا لما يحب ويرضى وأن يحفظ بلادنا من كل مكروه إنه سميع مجيب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٧٥) صفحة (١١) بتاريخ (٢١-٠٢-٢٠١٥)