لا أدري عن سبب عجز الشركات السياحية والجهات التي تُعنى بهذا المنشط من تنظيم قروبات سواء للأفراد أو العائلات، من أجل تنشيط السياحة الداخلية والتعرف على المعالم السياحية والتراثية والأثرية والعمرانية في جميع مدن ومناطق الوطن، كنا في الأسبوع الماضي مجموعة من المتقاعدين نبحث عن جهة يمكن أن تقوم بهذا الدور، فلم نجد إلا مكاتب ذات علاقة بمكاتب في خارج المملكة فيما البوصلة الداخلية مفقودة، وهي مشكلة نحتاج إلى من يشجِّع المسار السياحي الداخلي ليس من أجل الحفاظ على الأموال المهدرة، بل من أجل التعرف على المزايا الجمالية في بلادنا، خصوصاً أن المملكة بسعة مساحتها أشبه بالقارة متنوعة المناخ والنبات والتضاريس والبيئات العمرانية.
ولمّا لم نجد جهة تقوم بهذا الدور، اضطررنا أن نتخذ مسار رحلتنا بالطريقة التي نراها، وصولاً إلى مواطن الجمال في منطقتي جازان وعسير الشطر التهامي، وبدأت رحلة الانطلاق من «ناوان» الواقعة في تهامة الباحة، لننعطف في مسارنا نحو «المظيلف» تلك القرية الساحلية التي جاء إليها في وقت متأخر جداً شاطئ يربطها بالبحر بعد أن كانت في منأى عنه، على الرغم من التصاقها بالبحر، وقد أحسنت البلدية المشرفة على المشروع في إنجاز كورنيش جميل ما يميزه نقاء وصفاء مائه، حيث لم يصل إليه بعد التلوث من جراء الممارسات البشرية. وليكتمل جمال المشروع، فمن الضروري إنشاء خدمات يحتاجها الزائرون كدورات مياه ومطاعم وألعاب أطفال وغيرها، وواصلنا السير مروراً بعدد من المدن الساحلية القنفذة، القوز، الشقيق، وافتقدنا وجود استراحات أو محطات ترقى لأن تكون مكاناً لائقاً للراحة، وتلك واحدة من المثبطات للسائح أو الزائر، فالمسافة طويلة، ومع الأسف لم تقم إحدى الشركات ببناء استراحات أنيقة تصلح لأن تكون بمنزلة منتجعات، تدفع الزائر لأن يمكث أياماً، لاسيما وأن ساحل البحر الأحمر على مقربة والمتميز برماله الناعمة ومياهه الزرقاء وصخورة المرجانية الحمراء، وبسبب افتقاد ما كنا نطمح إليه اضطررنا مواصلة السير عبر طريق كالحلم الطويل يمتد ليصل إلى جازان، لتكون محطتنا، تلك اللؤلؤة البيضاء في الجنوب الغربي من دولتنا الفتية، ومما لاحظناه عليها التنامي العمراني في تلك المدينة ويزينها مشروع الملك عبدالله الذي أخذ يتكامل على أهداب البحر الأحمر، ولجازان شاطئ يمتد لمسافة 200 كيلومتر، يبدأ من شاطئ الشقيق شمالاً حتى شاطئ الموسم جنوباً، ويتميز برماله الناعمة ومياهه النقية ووجود عالم مثير في أعماق البحر من كائنات بحرية متنوعة وأسماك متباينة الأشكال والألوان تعوم ما بين الشعاب المرجانية الحمراء، وكان في أذهاننا الوصول إلى جزر فرسان التي تبعد حوالي 45 كيلومتراً عن جازان جزيرة الشعراء، إبراهيم مفتاح وعبدالمحسن اليوسف وغيرهما، بالفعل امتطينا عبارة تقل السياح ومركباتهم لتمخر عباب البحر في منظر آسر، ووجدنا في المحطة مكتباً لهيئة الساحة مغلقاً وقت وصولنا، ومما يشفع للسياحة وجود منشورات ومطويات عن المواقع السياحية في فرسان مثل قرية القصار الأثرية المبنية بيوتها من الحجارة وجريد النخل، واللافت للانتباه وجود أحد الفرسانيين يستقبل السياح، شارحاً لهم تاريخ القرية وطريقة البناء واصفاً جماليات فرسان بمنظومة شعرية تؤكد أن البيئة الفرسانية مُحفّزة على قرض الشعر، وبالفعل أنجبت كثيراً من الشعراء البارزين في الساحة الأدبية، وامتد حديثه عن أنواع الأكلات كالمعشي والحبيسة والمرسة والمحشوش، فضلاً عن الألعاب القديمة كالخطفة والصفعة والكندي المزقرة والكمية ويشترك فيها الصغار والكبار، وتجولنا في أصقاع الجزيرة الرئيسة ومما يميزها شاطئها الفيروزي الجذَّاب، وعلى الرغم من إحاطة فرسان بمياه البحر من كافة الجهات، إلا أن منتجها من الثروة السمكية قليل جداً لاعتماد سكانها على الصيد بوسائل تقليدية، السنارة والشباك. وكنا نتمنى وجود شركة متخصصة تقوم بهذه المهمة أو على الأقل الاستفادة من خبرات الدول ذات الشهرة في الصيد كاليابان. وهنا يقع العبء على جامعة جازان في الجوانب التطويرية والاستثمارية. ومن المحطات السياحية المهمة التي وضعناها في جدول الزيارات جبل فيفا الأشم، المتميز باخضرار سفوحه وبهاء مدرجاته وتناثر المنازل، ولم يعد الوصول إلى قمم الجبال صعباً بعد أن شقت الطرق جسد الجبال، إلا أنها في كثير من المواقع ضيقة جداً تحتاج إلى توسعة، وهذا المأمول لخدمة سكان فيفا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٧٧) صفحة (١١) بتاريخ (٢٣-٠٢-٢٠١٥)