* ليس جميع المنتمين إلى «داعش» والتنظيمات الشقيقة له هم من الفئات المعدَمة، لكن الصحيح أيضاً أن أغلبهم من المُهمَّشين

إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا «داعش» قد تحوَّل إلى العنوان الرئيس في حملات مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي متجاوزاً بذلك تنظيمات أخرى مثل القاعدة والنصرة وغيرهما من الجماعات المسلحة العابرة للحدود دون تأشيرات دخول، فإن لذلك بعضاً من تفسير يتعلق بالأوضاع الاجتماعية والمعيشية في البيئات التي تنتعش فيها مثل هذه التنظيمات التي تنشط في الدول العربية والإسلامية وتبث بعض شررها على الدول الغربية التي يهاجر لها المهمَّشون العرب والمسلمون على قوارب الموت التي يبتلع المحيط جزءاً كبيراً منها قبل وصول ركابها إلى البر الأوروبي. وإذا كانت الأوضاع المعيشية مرتبطة ارتباطاً مباشراً مع مستوى الدخل وأسواق العمل، فإن لهذه المعطيات قيمة إضافية في التحول إلى الفكر الداعشي، خصوصاً في ظل إهمال الجانب التربوي والتعليمي الضروري لتربية النشء تربية قادرة على صد الأفكار المنحرفة والمتطرفة.
صحيح أنه ليس جميع المنتمين إلى داعش والتنظيمات الشقيقة له هم من الفئات المعدمة، لكن الصحيح أيضاً أن أغلبهم من المهمَّشين ومحدودي الدخل واليائسين من أوضاعهم التي هي أصلاً تعتمل على مرجل. ولعل دول مجلس التعاون الخليجي تشكل نموذجاً صارخاً لاهتزاز الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، حيث تعاني من تشوهات جوهرية في هذا المجال خصوصاً في قطاع أسواق العمل وفي الاستراتيجية العمالية التي تنفذها بلا تخطيط للدرجة التي بلغ معها عدد العمالة الوافدة التي تجلبها دول مجلس التعاون مليون شخص سنوياً يحتلون مختلف الوظائف وأغلب المستويات الوظيفية العليا والدنيا، بينما يسمع المواطن الخليجي خريج الدراسات العليا وغير العليا عن عائدات النفط الفلكية لكنه لا يتمتع بها ولا تسهم في رفع مستواه المعيشي ولا تسخر لتطوير التعليم الذي يستفيد منه أبناؤه. ويزيد من اهتزازاته النفسية أنه محسود على النعمة التي حباها الله بلاده، فيطارد في الخارج على أنه ثري، إلا أن من يطل على سجل حسابه المصرفي يفجع بحجم الدين الذي اُبتُلي به.
تشير الإحصاءات إلى أن عدد العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون تصل إلى أكثر من 15 مليون وافد يحوِّلون 81 مليار دولار، منهم 9 ملايين في السعودية يحوِّلون 35 مليار دولار، و4 ملايين في الإمارات يحولون 16 مليار دولار، و1.6 مليون شخص في الكويت يحولون 12 مليار دولار، و900 ألف في عمان يحولون 7.5 مليار دولار، ومليون في قطر يحولون 8 مليارات دولار، وأكثر من 500 ألف شخص في البحرين يحولون 1.5 مليار دولار. وتشكل حجم التحويلات من دول مجلس التعاون 19.6% من إجمالي التحويلات الذاهبة للعالم الثالث، التي تعتمد أغلب دولها من العملات الأجنبية على تحويل عمالتها، كما هو الحال مع مصر التي حولت عمالتها نحو 20 مليار دولار في العام 2013.
ليس هذا فحسب، بل إن تشوهات سوق العمل وغياب التخطيط والاستراتيجية لدى دول المنطقة أفرزت العمالة السائبة الآخذة في التزايد لدرجة خطرة قادت حكومات المنطقة إلى التحدث بصوت عالٍ بعد أن وقعت «الفأس في الرأس» أو كادت، خصوصاً وهي تمتص نسبة مهمة من نشاط السوق وتهدد مستقبل أصحاب المشاريع الصغيرة من المواطنين. ففي السعودية، مثلاً، صدر قرار في مارس 2013 يؤكد على أنه «لا يجوز لصاحب العمل أن يترك عامله يعمل لحسابه الخاص، كما لا يجوز للعامل أن يعمل لحسابه الخاص»، حيث جاء هذا القرار بعد أن اشتكى المواطنون من أصحاب المشاريع الصغيرة من اللوبيات والمجموعات الوافدة من العمالة السائبة. وقد أفادت دراسة صدرت العام 2013 أن 80% من العمالة السائبة في الشوارع تعمل تحت مظلة «مؤسسات وهمية»، مما يُوجِد واقعاً خصباً للتستر التجاري، حيث يشكل المفقود سنوياً نحو 45 مليار ريال سعودي. وتشير إحدى الدراسات إلى أن حجم الاقتصاد الخفي يشكل 19% من إجمالي اقتصاد إحدى دول المجلس. لا شك أن التشابه الكبير يقودنا إلى الجزم بأن جميع دول مجلس التعاون تعاني من هذا الوضع الأخير الذي بلغت فيه العمالة السائبة في السعودية وحدها نحو 3 ملايين شخص.
وفي سياق متصل، بلغ عدد العاطلين في الوطن العربي 20 مليون عاطل. وهذا رقم خطير من شأنه أن يشكل جيوشاً كبرى قادرة على تدمير الأخضر واليابس، سواء تحت راية داعش أو غيرها من تنظيمات تستثمر حالة اليأس التي يعاني منها الشباب العربي. ويلفت تقرير مؤسسة الفكر العربي الصادر العام الماضي إلى أنه خلال السنوات الماضية وفَّرت دول مجلس التعاون 7 ملايين فرصة عمل جديدة، احتل الوافدون وأغلبهم من جنوب شرق آسيا 6 ملايين فرصة عمل وذهبت لمواطني دول المجلس مليون فرصة عمل، ومن المتوقع أن توجد دول المجلس في السنوات الخمس المقبلة ستة ملايين فرصة عمل، وسيذهب ثلث هذه الفرص إلى أبناء دول المجلس بينما سيحتل الوافدون الجدد بما فيهم العمالة السائبة ثلثي الفرص الجديدة.
المعضلة أن بعض المسؤولين لا يدركون أو أنهم يستفيدون من هذا الواقع عندما يرفعون أصواتهم عالياً ضد توطين الوظائف في بلدانهم.. وبعد ذلك يصرخون بأن عناصر داعش يتجولون في أحيائنا!!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٨١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-٠٢-٢٠١٥)