الغلو هو المسؤول الأول عن تطرف أبنائنا وبالتالي تجدهم حاضرين في معظم مناطق العالم المتوترة، في أفغانستان مرورا بالشرق الأوسط وصولا إلى الشيشان والبوسنة وغيرها. ولكن ما سر هذا الوجود المكثف لهؤلاء الشباب ومحاربة المختلف عنهم دينيا ومذهبيا، والتحايل على تعاليم الإسلام وتشريعاته لخدمة أفكارهم وأفكار محرضيهم المتطرفة.
لا نستطيع أن نستثني أي مذهب من وجود متطرفين وهم بيننا، ونستطيع أن نشاهدهم جهارا نهارا وكيف يحارب كل مذهب الآخر، سواء بالقنوات المتطرفة أو على المنابر أو حتى بالمحاضرات والمواقع المتطرفة لجميع الأطراف، حيث لا نجد كلمة تسامح بينهم إلا ما ندر (هذا إن وجدت)، رغم أنهم جميعا يؤمنون بالمبدأ نفسه مع بعض الاختلافات التي لا تستوجب كل هذا العداء والكراهية بين هذه المذاهب. ولكن هل الغلو هو المسؤول الأول والأخير عن كل هذا، وهو ما جعل شبابنا السباقين إلى الانتحار بالسيارات المفخخة في أحضان داعش والقاعدة، حيث استطاعت هذه المنظمات الإرهابية أن تستقطبهم بكل سهولة ودون عناء يذكر. والمؤسف أن شبابنا هم أنفسهم من ذهب إلى بؤر الصراع بمحض إرادتهم ولم يرغموا على ذلك، رغم أنهم لم يولدوا متطرفين أو إرهابيين كي نعذرهم، ولكنهم ولدوا وتربوا معنا على تعاليم ديننا السمح، الذي لا يقبل المزايدات أو التأويل. إذا، لدينا مشكلة.
وكي أكون صريحا في هذه الأسطر الأخيرة، طالما أن أبناء الدين الواحد والبلد الواحد الذين يتقاسمون رغيف الخبز معا ينعتون إخوانهم بالتكفيري والرافضي، فأجزم أن مستقبل أبنائنا على المحك، ولن تصل مملكتنا الغالية ولا خليجنا الواحد إلى عالم التقدم والازدهار. وهذا المرض المسمى بالغلو يسري في عروق بعض منا الذي يولد التطرف ويغذيه، وبدلا من أن نعلّم أبناءنا الطب والهندسة، سوف يسبقنا أرباب هذا المرض لتسميم أفكار أبنائنا وتعليمهم التطرف والإرهاب شئنا أم أبينا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٨٢) صفحة (٦) بتاريخ (٢٨-٠٢-٢٠١٥)