تظل جائزة الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز إحدى أبرز الجوائز العالمية لعدة اعتبارات أولاً: لسمو أهدافها ونبل مقاصدها، حيث إنها تعمل على خدمة الإسلام والمسلمين في المجالات الفكرية والعلمية والثقافية، مع تأصيل المثل والقيم الإسلامية في الحياة الاجتماعية وإبرازها والمساهمة في إثراء الفكر الإنساني ونلحظ تفرع الجائزة إلى مجالات عدة أولها خدمة الإسلام واللغة العربية وآدابها إلى جانب إيلاء الطب والعلوم جل اهتمامها، وهذا الذي وسّع دائرة الحاصلين عليها من كافة أصقاع الدنيا لينالها المبدعون والمبرزون بفكرهم ونشاطهم وإبداعهم، ولا يمكن للجغرافيا أو التوجهات السياسية أو حتى العقدية أن تمنع وصولها لهؤلاء الذين يخدمون البشرية، وبصرف النظر عن جنسياتهم أو أوطانهم فالإبداع الإنساني والمنجز الفكري لا يتوقف عند حدود جغرافية في هذا العالم الفسيح فكانت الجائزة سبّاقة لمنح كثيرين ومن دول متعددة وقد حازوا -فيما بعد- على جائزة نوبل، ومن بينهم العالم الشهير الدكتور أحمد زويل وجيرد بييرد وهنري روهرر وثيودور هينش وسيدني برانر وستيفن شو وكارل باري وشابلن غونتر بلوبل وإريك كورنيل وكارل ويمان، هؤلاء علماء بارزون خدموا البشرية في الفيزياء والطب والكيمياء وكان مرورهم الأسبق على جائزة الملك فيصل العالمية، وهذا مؤشر واضح وبرهان قوي على رقي أعضاء لجنة اختيار الجائزة وسمو فعلهم وكذا مصداقية المعايير ودقتها التي أقرتها اللجنة المحكمة، حيث إنهم يدرسون وبوعي الأعمال المرشحة دون الحياد لأشخاص أو جهات، لتُمنح لمن يستحقها بالفعل نظير جهده الفكري أو العلمي أو الأدبي، وقبل أيام قلائل وفي حفل بهي وبهيج بالعاصمة الرياض سلّم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- المرشحين بنيل الجائزة جوائزهم، وقد ذهبت إلى الدكتور ذاكر عبدالكريم هندي الجنسية تقديراً لجهوده الكبيرة في نشر الإسلام والدفاع عنه من خلال محاضراته والندوات التي يشارك بها والقنوات الفضائية التي أنشأها، كما حاز الدكتور المهندس عبدالعزيز كعكي على جائزة التراث الحضاري عن كتابه الموسوم بـ «معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ» وفي الطب كانت من نصيب البروفيسور جيفري إيفان غورن الأمريكي الجنسية لأعماله الرائدة في موضوع الميكروبات المعوية وصحة الإنسان، أما الكيمياء فاستحقها البروفيسورالأمريكي مايكل غراتزل لاكتشافاته في مجال أنظمة ضوئية وكهروكيميائية لاستخدامها في تحويل الطاقة الشمسية، واشترك معه في الجائزة عمر موانس لمساهمته في تطوير المعادن الضوئية باستراتيجية اصطناعية وتصاميم ذكية.
وللأمير خالد الفيصل رئيس هيئة الجائزة حضوره وألقه الفكري والثقافي وقد تجلت في كلمته المختصرة والمعمقة أدباً ولغة وبلاغة وجمالاً حيث دعا في سياقها إلى التشمير عن سواعد الجد من أجل بناء وطننا الغالي وتحويل الصحراء إلى مصانع قوة باستنهاض روح الشباب.
من لاحظ السرور الذي تبدى في محيا الحائزين على الجوائز يدرك ما لهذه الجائزة من أهمية كبيرة وحضور عالمي بقيمتها الفكرية والعلمية، وبالأشخاص الذين أخلصوا العمل وبذلوا الجهد المضني في سبيل إعطاء الجائزة هذا الحضور المشرف وهذا الألق العالمي.
ومضة: كان لي شرف حضور حفل توزيع جائزة الملك فيصل العالمية الأحد الماضي وقد أعجبني جداً مستوى التنظيم الراقي، ووجود الشباب الواعد الذين شاركوا بكل بهاء في الاستقبال، وتحديد مواقع الضيوف وتقديم الخدمة متى احتيجت منهم، وكذا الكلمات الخطابية المختصرة والمؤدية لغرضها من الحائزين على الجائزة، إلى جانب عرض مقاطع الفيديوهات عن منجزهم العلمي والثقافي، الجائزة التي تقدمها مؤسسة الملك فيصل الخيرية أحد أبرز المناشط العلمية والثقافية ليس على المستوى المحلي بل العالمي وإن دل على شيء فإنما يدل على عمق الرؤية وجودة التخطيط من منظميها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٩١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٩-٠٣-٢٠١٥)