لطالما حلمت بأن أصبح إنساناً من الدرجة الأولى، وأن يسمح لي الشارع بحالة العصيان لأسير في وسطه، وأبتعد عن الالتصاق بالجدران وأتلفَّت خلفي خائفة كأرنب لم يعتَد الخروج من جحره، أن أمشي وأنا أتنشق الهواء الرطب ككل الكائنات الحية، أركل بقدمي العبوات الفارغة، أن أضع يدي في جيبي مبتهجة بليلة مقمرة، أمشي فلا يعترض طريقي أحد، ولا يطلب مني رقم هاتفي، ولا يشاكسني ولا يراقبني أحد.
أسير حرة كموجة هواء ترخي سدولها على كل الأمكنة فلا تناقش العيون عبورها، ولا يعترض استرسالها أحد، إنه المطلب الشرعي للمرأة التي تقتسم مع هذا الكون رغيف الحياة وبديهية الحصول على كافة معطياتها بصفتها كائناً حياً يجب ألا يعاقبه المجتمع لكونه اختار أن يمارس إنسانيته، دون أن يضيف تهمة التسكع في الشارع إلى قوائم التهم التي تملأ هوامش وحكايات النساء، أريد أن أمارس فعل الحياة فلا أحتاج لإذن عندما أطمح إلى تنشق أنفاس الهواء، أن أعيش بساطة الفكرة في السماح لي بالسير في الطرقات وتبديد حالات الضجر دون أن تكون عباءتي السوداء مثاراً للأسئلة، أتمنى ككل النساء ألا يرى الشارع فينا حتمية الاستغراب، ألا يرانا ككائنات قادمة من كواكب أخرى، أن يرى إنسانيتنا وتطلعنا للحصول على حرية المشي دون أي وجل.
إنها المرأة التي لن تجرح عباءتها الرصيف المترقب، ولن يطول ظلها ليطغى على ظل السائرين في الطريق، لكنها تحتاج إلى أن تسير بثقة وعنفوان كهذه الأرض التي أنجبت كل السنابل وكل الثمار ولم تخَف من الوقوف شامخة وسط الطريق، كالنخلة الباسقة التي لم تستأذن العابرين وهي تمنح سعفها وتمرها للبشر ولا تكترث بأحد.
اتركوا لنا فرصة السير في الشارع واستنشاق إكسير الحياة مثلكم ولا تجرحوا عبورنا بدهشتكم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٠٠) صفحة (١٩) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٥)