هذا رعب من نوع خاص.. رعب لا علاقة له بالظلام، والأشباح، والأرواح الهائمة. رعب لا تشاهده في الأفلام المصنفة للكبار فقط، ولا تقرأ عنه في الروايات، وقصص المغامرات المثيرة. رعب لا دماء فيه، ولا أسلحة، ولا أمعاء تتمزق، ولا صرخات فزع، أو احتضار.. رعب نظيف هو.. رعب ناصع البياض.. لكنه البياض، الذي يهز عمود تماسكك الداخلي، ويصيبك بذعر أقرب للشلل.
رعب الصفحة البيضاء ينتقي الكُتَّاب، والمبدعين تحديداً، ويصيبهم جميعاً في أوقات مختلفة، ودرجات متفاوتة، فيكاد لا ينجو من قبضته أحد، وإن كانت بطشته قاتلة في بعض الأحيان، ولا شفاء منها.
أصعب لحظات الإبداع، والكتابة، هي تلك اللحظة التي يواجه فيها الكاتب مرآة الصفحة الخالية أمامه، عندما يقرر أخيراً أن يحوِّل كل ما يدور في ذهنه، وقلبه من صور، وخيالات، وأحلام، وهواجس إلى نص مكتوب.. لحظة خاصة جداً، يتداخل فيها الشغف، والحماسة، والتوجس، والخوف، والقلق، والرغبة الحارقة في البوح. خليط حاد، وحارق من المشاعر، يعرف إحساسه، وطعمه كل كاتب مارس الكتابة ذات يوم.. تلك اللحظة الخاصة جداً رغم حدتها، واشتعالها إلا أنها هي ما يمنح الكاتب – أي كاتب – شعوره الداخلي بالغرور، والرضا عن النفس. ذلك التوازن الدقيق بين الرهبة، والرغبة، ولحظات التردد، والحيرة، ثم انفجار السد، وجريان النهر، وسكب المعنى في قوالب الكلمات، هي لحظات الإبداع، التي تُشعر من يجترحها بأنه اقتربَ، ودنا، وذاقَ الثمرة المحرمة، التي لم يطعمها سواه إلا قليلٌ.
لكن تلك اللحظات، على سحرها، لا تخلو من مكر، ولؤم، فهي لا تسلِّم قيادتها لم َن اعتقد أنه يملكها، فتهجره، وتتوارى عنه في اللحظة التي يعتقد فيها أنها أصبحت من عاداته، وطوع بنانه. يواجه الكاتب صفحته البيضاء، وينتظر ذلك الدفق الحارق في العروق، والسيل الجارف من الأفكار.. ينتظر.. وينتظر.. ويطول انتظاره ولا شيء يأتي. يخادع نفسه قليلاً، يخطُّ سطوراً باردة لعلها تستحث البقية، لكنه يدرك سريعاً أنه يخادع نفسه، وأن ما يكتبه مجرد زجاج بارد لا جواهر حقيقية صهرتها نار الإبداع. يعود ليمزق ما كتب، يتعاظم بياض الصفحة أمام عينيه ليصبح حائطاً مهولاً يستحيل اجتيازه، تزحف قبضة باردة لتعتصر قلبه ببطء، يشعر بأنه سجين معزول عن العالم، وأن كل تلك الحظات الحميمة صارت وهماً بعيد المنال، وأنه سيبقى هنا خلف الجدار الأبيض حزيناً بائساً لا يدري أحد بمدى غربته، وفقره، وعوزه، وقلة حيلته.
كم تستمر أوقات الرعب تلك؟ هل يصمد الكاتب أمامها حتى تأتي لحظة الفرج، وينهار السد الأبيض؟ أم إنه سيستلم، ويتوارى هرباً من رعب الصفحة البيضاء؟.
سعداء الحظ من الكُتَّاب وحدهم مَنْ يملكون ترف الإجابة!

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٠٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٥-٠٣-٢٠١٥)