* حلم وسط مشهد قاتم وحالك، عندما بلغ التشظي مراحل متقدمة بلغت حد التكفير والدعوات الصريحة لاجتثاث المختلف وصاحب الرأي من الوجود ما دام قد صنف بأنه مختلف عنهم.

بهدوء، ودون حتى التفاتة من الإعلام العربي، في عمومه إلا ما رحم ربي، مر يوم الأرض الفلسطيني فأشعل ذاكرة شعب فلسطين التاريخية والشتات، عندما تذكروا الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 30 مارس عام 1976 من مدينة الناصرة والبلدات الأخرى التي تواجه اليوم ومناطق فلسطينية في الضفة الغربية عملية تهويد وصهينة الأراضي الفلسطينية، ولكن يجري ذلك بشكل مضاعف في مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية من عمليات مصادرة للبيوت وزرع مزيد من المستوطنات في جسد الوطن الفلسطيني وضخ المواد الحمضية تحت أساسات المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
وحدهم الفلسطينيون، وبعض من الشعوب العربية التي لا تزال تحتفظ بشيء من ذاكرة، تذكروا يوم أرضهم/أرضنا فأطلقوا لقبضاتهم العنان معلنين تمسكهم بالأرض، يذكرون أنفسهم والأمة بأن فلسطين لاتزال مغتصبة ومحتلة من قبل عصابات الهاغانا وشتيرن وغيرهما، جاءت من شتات الأرض إلى فلسطين لتطرد الشعب الأصيل وتؤسس دولة صهيونية على أرضها، وقد اتخذت استراتيجيات عدة لتنفيذ هذا الهدف الشيطاني، حتى أتت على كامل فلسطين وأراض عربية في مصر وسوريا، إثر حرب الأيام الستة التي أطلق عليها نكسة حزيران 67، وما تلاها من حرب استنزاف للعدو توجت بحرب أكتوبر 1973 التي انتصر فيها العرب عسكريا وخسروا في المفاوضات التي بدأت مع مفاوضات الكيلو 101 بين الكيان والقيادة المصرية التي ذهبت بعيدا عندما زار السادات القدس المحتلة وأبرم اتفاقية كامب ديفيد، لتدخل الأمة في التشظي وتبدأ في فقد بوصلتها بالتهرب من استحقاقات تحرير الأرض والإنسان والانغماس في رفع شعارات القطر أولا وليس الأمة، حتى وصلنا إلى الشعار المدمر: الطائفة والمذهب أولا وليذهب الوطن والأمة إلى الجحيم!!
تسعة وثلاثون عاما مرت على يوم الأرض الذي سقط فيه ستة من شباب فلسطين المحتجين سلميا على الاحتلال الصهيوني، فضلا عن عشرات الجرحى والمعتقلين. لم يحرروا فلسطين ولم يوقفوا زحف الاستيطان، لكنهم لايزالون يحلمون بوطن يحكمونه بأنفسهم بعد أن يغادر الغزاة إلى غير رجعة، كما يحلمون بأن تفيق الأمة من سباتها ومن تشظيها وتعود لجادة الصواب وممارسة المسؤولية الوطنية والقومية. لكنه حلم وسط مشهد قاتم وحالك، عندما بلغ التشظي مراحل متقدمة بلغت حد التكفير والدعوات الصريحة لاجتثاث المختلف وصاحب الرأي من الوجود مادام قد صنف بأنه «مختلف عن تطرفهم» تلك «الفرقة» التي ترى أن كل من يخالفها الرأي كافر وفاجر ومرتد يجب صلبه من خلاف حتى الموت، منطلقة في ذلك من نصوص مدفونة في بطن التاريخ يعاد استحضارها وإحياؤها الآن لتصب الزيت على نار الفتنة الكبرى، ولا بأس أن تدرس تلك الأفكار في المدارس والمعاهد والجامعات وفي أي مؤسسة يمكن أن تبلغ فيها دعوات بث الفرقة والكراهية وإثارة الفتنة ورفض الآخر.
وبدلا من شد الهمة وممارسة الحد الأدنى من التضامن مع فلسطين وأهلها، أصبح لزاما على الأمة أن تحرر بلدانها بلدا تلو الآخر من براثن الفقر والعوز والمرض والانقسام الطائفي والمذهبي، وكأن التاريخ يعيد نفسه لكنه هذه المرة في شكل مهزلة تذكر بأواخر أيام العرب في الأندلس، حين صار الاقتتال على السلطة شريعة سائدة والتآمر مع الآخر ضد الشقيق شرطا للبقاء على كرسي الحكم، في تنفيذ تراجيدي لمأساة غارقة في وهم الانتصار على الذات بمعاونة الواقف على الطرف المضاد. كأنما الأمة تسير لهاوية سحيقة ونار تأتي على الأخضر واليابس، حيث التشظي والفرقة والحروب الأهلية أضحت عنوانا للمرحلة الحالية والقادمة، تستنزف فيها ثروات بلاد العرب ويقتل أبناؤها وتهدم بيوتها لتعود قرنا للوراء فوق ما هي متأخرة عن ركب الحضارة التي فاتتها وتحولت إلى أمة مستهلكة لكي شيء بما فيه القتل على الهوية.
هذا الانحدار القريب من حافة الهاوية، ربما يفسر صعود نجم تنظيمات مثل داعش والنصرة والقاعدة وخراسان وأنصار بيت المقدس وغيرها من مجاميع يائسة من كل شيء فراحت تحرق ما تجده في طريقها مهورا للحور العين في الجنة التي يتخيلها عناصر تلك المجاميع في أدمغتهم المشحونة بكل ما يزيد الحقد والكراهية على الآخر. أدمغة أنتجت دمارا شاملا مؤصلا وفق مقاسات الابتعاد عن بوصلة فلسطين التي تتعرض اليوم، كما الأمس، لسرقة الأراضي والأموال والمياه واقتلاع الأشجار وتطبيق سياسة الترانسفير ضد الفلسطينيين وممارسة جرائم الحرب وخروج عصاباتها على القانون الدولي دون محاسبة من أحد، فهذا الكيان فوق كل القوانين الأممية والسماوية.
فليس من الغريب أن يكون تنظيم داعش في مخيم اليرموك على مشارف دمشق، يقتل ويسبي ويغتصب منذ أن تم الترتيب له لاحتلال الموصل التي أسس فيها دولته، إلى كل شبر تطأ أقدام جنده فيها، بينما تعلن قبل أيام جبهة النصرة عن تطبيق الشريعة الإسلامية في محافظة إدلب السورية، وكأن الناس هناك مجموعة من كفار قريش يتوجب جلدهم وصلبهم!
ثمة ما يبهج بعض الشيء في هذا السواد الكالح. ومضة فرح جاءت تزامنا مع يوم الأرض: فلسطين عضو في محكمة الجنايات الدولية. وهذا يعني أن تبدأ الفصائل في تجهيز ملفات جرائم الكيان وعصاباته وقياداته من مجرمي الحرب منذ ما قبل العام 1948 وحتى الآن، يمتحن من خلالها الفلسطينيون المجتمع الدولي الذي لم ينصفهم، كما يمتحن محاكمه الجنائية. فقتلة الأنبياء والأطفال والنساء على أيدي العصابات الصهيونية هم اليوم في رأس الهرم الحكومي في الكيان.. فلعل وعسى يتم استنهاض الهمم التي أنهكتها الفرقة والتآمر على الشقيق في البقاع الطاهرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢١٦) صفحة (١١) بتاريخ (٠٣-٠٤-٢٠١٥)