إن كثيراً منا يُستلب عقلياً حين يُطرح عليه إغراءات السفر مجاناً إلى مواقع سياحية في دول شهيرة، وهذا الذي يحدث بالفعل من شركات تزعم أنها تقوم بهذا العمل المجاني من خلال تقديم عروض وهمية تصبغها بكثير من المنشورات والصور الملونة للفنادق والمواضع المَزُورة، مما يجعل بعض الناس ينساق تلقائياً أمام هذا البريق المجاني، ويقع ضحية نصب واحتيال. ومن خلال مواقف حدثت لأناس، بعضهم أفضى بها، قائلين إنهم وقعوا بالفعل في المصيدة، وتبدأ مراحلها الأولى في أسواقنا الشهيرة حيث يقف عدد من الموظفين خلف كاونتر في باحة السوق لعرض بضاعتهم – بصفتهم ممثلي أندية سياحية- من منشورات وملصقات وصور زاهية لمناظر طبيعية فاتنة لتلك الدول المزمع زيارتها، ولكونهم مدرَّبين في عمليات الجذب من خلال ابتساماتهم ونوع الكلمات المنتقاة وأساليبهم الاحترافية، تصدق كثير من العوائل السعودية تلك العروض. يقول صديقي: إنني وبامتياز وقعت في الفخ ذات يوم حيث استلَّ الموظف كلمات جاذبة من جعبته ليقدم عسلاً شهياً وقد ابتدرني بطرح سؤال ساذج لو تمكنت من الإجابة عنه سوف يقبلني ويجعلني أواصل للمراحل التي تليها، وحين أجبته امتدحني ونعتني بالذكاء واللباقة وبارك لي بأنني أحد الفائزين «المغفلين» برحلة مدتها أسبوع كامل في فنادق شهيرة جداً، وفي أي دولة أرغبها، ولكون كلماته إغرائية ولأنني أصلاً مندهش من تلك الصور، انسقت مع كلامه المعسول ليدعوني إلى مكان تم الاتفاق عليه مع عدد من «المغفلين» للحضور في مساء اليوم الذي يليه، بالفعل ذهبت بطوع إرادتي فوجدت عدداً من العائلات السعودية قد سبقتني، وزادت عبارات الترحيب من قبل هؤلاء الموظفين المدربين لتتماوج في سماء الصالة مرحبين بالضيوف «المصيودين»، وتوزَّع الخبراء السياحيون، واستأنفوا استعراض البرامج السياحية وجمال المواقع المَزُورة، وروعة الفنادق وأناقة البرامج المصاحبة، وكل ذلك مجاناً فقط مقابل شراء أسبوع في أي موقع سياحي في العالم وفي أي وقت من العام شريطة التنسيق مع ناديهم السياحي وتقديم مبلغ مالي كأجرة لهذه المدة الزمنية المشتهاة، وكانت القاعة بين الحين والآخر تضج بالتصفيق؛ حيث إن بعضهم أقدم على شراء الأسبوع الوهمي وكانت بشائر الفرح تعلو محيا حابكي الخطة، بينما تتناثر ابتسامات بلهاء تعلو وجوه الذين وقعوا في عملية النصب الاحترافي.
ويضيف صديقي: إن أسلوب الإغراء كان سبباً في خنوعي لدفع مبلغ ما مقابل الأسبوع السياحي، ومضت أيام قلائل لأرتِّب وضعي من أجل تلك الرحلة، وبالفعل ما إن أنهيت تنظيم متطلبات الرحلة حتى اتصلت على أرقام جوالات النادي السياحي، إلا أن أحداً لم يرد حيث إن الجوالات مفصولة، وكررّت الاتصال، بعدها قررت الذهاب إلى مكان توقيع العقود فوجدت المكان قاعاً صفصفاً ليس فيه أحد، وأدركت أنني وقعت ضحيّة لعملية نصب احترافية تُدار في أسواقنا وفي وسط النهار، انتهى كلام صديقي. وكنت أنا صاحب الأسطر هذه قد قابلت وفي سوق شهير بمدينة جدة هذه العصابة ومن حسن حظي كسبت الخبرة من صديقي وإلا ربما وقعت في ذات المأزق، وجاء أحدهم تعلو وجهه ابتسامة وكأنني صديق قديم له وسألني سؤالاً ساذجاً وأجبته لتعلو وجهه ابتسامة الرضا بأنني أحد الفائزين، وطلب تعبئة البيانات، الاسم، العمل، الجنسية، الدخل الشهري، الهاتف، عدد أفراد الأسرة، الاختيار الأنسب للمكان الذي أفضله سياحياً، وهكذا..
وبعد أن ملأ الورقة قلت له: كيف ومتى تُنسقون؟ أجاب بأن ذلك ميسور، فقط يلزمني حضور العرض، توقفت عند هذا الحد، وكنت أعرف أن النادي السياحي لا يمكنه توفير هذه الخدمة مجاناً لعشرات العوائل، ورغم ذلك هناك كثيرون ذهبوا لعمليات النصب وفي وضح النهار، السؤال الذي يقفز إلى السطح: مَن سمح لهؤلاء بالقيام بعمليات النصب؟
وهل هناك اتفاق مسبق بين إدارة السوق وأصحاب الأندية السياحية؟ وإذا كان كذلك فَلِمَ التواطؤ العلني ممَّن نتوقع أنهم لا يوافقون على خديعة المواطن بأي شكل من الأشكال؟، وسؤال آخر: أين دور الجهات الرقابية «الغرفة التجارية، وزارة التجارة، الجهات الأمنية» عن ممارسات هؤلاء؟.
أتمنى اضطلاع الصحف المحلية بهذا الأمر والقيام بدورها التثقيفي من خلال إجراء تحقيقات صحفية موسعة لكشف أساليبهم، وفضح ممارساتهم، فكثيرون حين يشاهدون مثل تلك المواقع المغرية من فنادق ومنتجعات وغيرها ينساقون دون تمحيص منطقي أو تحليل عقلي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢١٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٦-٠٤-٢٠١٥)