«لدي حلم بأن يأتي يوم يعيش فيه أطفالي وسط شعب لا يُحكم فيه على الناس بلون بشرتهم بل بما تنطوي عليه أخلاقهم».
وسط جمع هادر وتحت سماء غائمة وقف يخطب بلا وجل، يخطب في شعب مقهور يعاني الظلم والاضطهاد منذ عقود ويتوق للانتقام واستعادة حقوقه بأي ثمن. لكنه اختار طريقاً صعباً، صعباً على أصدقائه وعلى أعدائه في ذات الوقت. لقد اختار أن يناضل وأن يطالب بحقوقه وحقوهم بلا عنف وبلا دماء، وقف يخطب خطبته الحلم أمام أكثر من ربع مليون متظاهر خرجوا يشتكون ظلم الدولة الكبرى التي حاربت في كل أركان الأرض دفاعاً عن الحريات لكنها ظلمت أبناء شعبها واضطهدتهم.
«لدي حلم بأنه في يوم ما سيستطيع أبناء العبيد السابقين الجلوس مع أبناء أسياد العبيد السابقين على منضدة الإخاء».
لم يكن يستحضر في ذهنه ليالي السجن وأيام الاعتقال، لم يكن ليبالي بالتهديدات والاستفزازات، لم يلتفت ولو قليلاً لحملات التشويه والتشكيك التي لحقت به وبمن معه من المناضلين.
كان العنف والدم والترهيب يلاحقه في كل خطوة يخطوها، في كل موعظة يلقيها، في كل مظاهرة أو تجمع أو إضراب. ألقوا القنابل على بيته وكنيسته ومدارس أطفاله. حرقوا ونهبوا ممتلكات الفقراء من أتباعه، لعله ينهار أو ينزلق نحو العنف فيسهل القضاء عليه لكنه ظل صامداً حتى النهاية.
«لدي حلم بأننا سنكون قادرين على شق جبل اليأس بصخرة الأمل. سنكون قادرين على تحويل أصوات الفتنة إلى لحن إخاء عذب.. بهذا الإيمان سنكون قادرين على العمل معاً والصلاة معاً والكفاح معاً والدخول إلى السجون معاً والوقوف من أجل الحرية معاً عارفين بأننا سنكون أحراراً يوماً ما».
كانت قضيته واضحة وضوح الشمس، رفع الظلم عن الملونين، وتحقيق المساواة بين الأبيض والأسود. ورغم بداهة وبساطة ما طالب به إلا أنه -صدق أو لا تصدق- كان يعتبر جريمة في أمريكا بلاد الحرية قبل خمسين عاماً فقط!.
هذه الجريمة قادته إلى السجن بتهم عدة منها تأليب الرأي العام، وتعطيل العمل ومصالح الدولة. كما أن مدير جهاز المباحث الفيدرالية تفرغ لمطاردته والتجسس عليه وتشويه سمعته، ولفق له تهماً بأنه شيوعي وزير نساء. ولكن كل الطرق فشلت في حجب صوت الحقيقة التي ينادي بها عندها كان لابد من إسكاته بالطريقة التي لا تخيب أبداً… الاغتيال.
في الرابع من أبريل عام 1968 أطلق قناص عنصري النار على مارتن لوثر كنج وهو يهم بإلقاء إحدى خطبه ليروي بدمائه آخر فصول كفاحه العظيم ضد العنصرية ويجبر حكومة الولايات المتحدة على توقيع قانون يجرم التفرقة بين المواطنين بناء على لونهم أو جنسهم وليتردد صدى أمنيته الكبرى..
«دعوا الحرية تدق.. من كل قرية وكل ولاية.. عندها سيكون اقترب اليوم الذي يغني فيه كل الأطفال مهما اختلفت أجناسهم أغنية الزنجي القديمة.. أحرار في النهاية.. أحرار في النهاية شكراً يارب العالمين.. نحن أحرار في النهاية!».

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٢١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٨-٠٤-٢٠١٥)