رغم الأمطار الغزيرة، التي استمرت في السقوط منذ الصباح حتى المساء قبل أسبوعين، زحف عشرات الآلاف من التونسيين ومن مختلف دول العالم إلى باب سعدون في العاصمة التونسية لينتظموا في مسيرة حاشدة توجهت يوم الثلاثاء قبل الماضي إلى متحف باردو، الذي كان مسرحاً لعملية إرهابية جبانة نفذتها العصابات المسلحة وراح ضحيتها 23 من السياح الأجانب، فضلاً عن رجال أمن وعشرات الجرحى. وقف الآلاف لساعات عديدة يهتفون ضد الإرهاب، وتضامناً مع تونس وشعبها.
كانت المسيرة، التي انطلقت تحت شعار «تونس تتحدى الإرهاب»، مهيبة ومؤثرة من حيث المشاركة العالمية فيها؛ إذ شارك فيها أربعة آلاف منظمة تونسية ومن مختلف أنحاء العالم. والمسيرة هي جزء من فعاليات المنتدى العالمي الاجتماعي، الذي يعقد سنوياً في مثل هذا الوقت ويتخذ من الجامعة التونسية مقراً له، ويشتمل على أكثر من 1000 فعالية طوال أسبوع المنتدى. ويبدو أن الجماعات الإرهابية، التي اقترفت مجزرة المتحف أرادت من جريمتها إلغاء الفعالية الأممية، إلا أن السلطات التونسية سارعت إلى التأكيد بعقد المنتدى في موعده المحدد، فقطعت الطريق على استمرار نشوة الإرهابيين الذين نفذوا العملية الجبانة.
لقد تمكنت تونس من مواجهة الإرهاب بتصميم على الحياة وإشاعة أجواء الثقة، والبحث الجدي في المصالحة الوطنية والعمل على تشييد خارطة طريق للوحدة الداخلية بين المكونات السياسية والمجتمعية، وذلك بعد تجاذبات كبيرة سبقت صياغة دستور 2014، الذي أكد تمسكه بأهداف ثورة الياسمين «تأسيساً لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي في إطار دولة مدنية، السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حق التنظيم القائم على التعددية، وحياد الإدارة، والحكم الرشيد أساس التنافس السياسي، وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء، والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات»، وفق ما جاء في ديباجة الدستور التونسي الصادر في 2014. هذا الدستور الذي يتم امتحان مواده اليوم عندما يجرى الحديث على ترجمة نصوصه، خصوصاً في موضوع الوحدة الوطنية والمصالحة، التي تتطلب جرأة في معالجة ما جرى وتحمل المسؤوليات السياسية والأدبية، وبشكل خاص عمليات الاغتيال التي تمت لاثنين من زعماء الجبهة الشعبية في تونس، وهما: شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
إن الجرأة في تقديم اعتذار واضح بغض النظر عن حجم المسؤولية عن هذه الاغتيالات من قبل القوى، التي سادت أثناء تنفيذ عمليات القتل تشكل منتصف الطريق لتحقيق مصالحة وطنية تستند على كشف الحقيقة والتعاطي معها على أرضية صلبة لتجنب تكرارها ضد أي من القيادات أو الكوادر السياسية، التي يبدو أنها في دائرة الاستهداف في الوقت الراهن من أجل إثارة مزيد من الرعب في صفوف القوى الديمقراطية الحداثية التونسية.
ربما يمكن التعاطي مع العملية الإرهابية في متحف باردو على طريقة «رب ضارة نافعة» لتعزيز الوحدة الداخلية التونسية، وإشاعة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان ومواجهة الإرهاب بتوافقات حقيقية بين القوى السياسية ونخبها التي تمكنت من عبور عنق الزجاجة لتشكل بداية جدية لتشكيل نموذج سياسي في المنطقة العربية. فقد أكدت القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني رفضها وشجبها وإدانتها للعملية الإرهابية، التي نقلت الإرهاب إلى داخل العاصمة والمدن بعد أن كان على الحدود في الريف. وهذا يشكل تحدياً إضافياً للتونسيين إزاء قدرتهم على تنفيذ شعارهم «حرية، كرامة، عدالة، نظام» المنصوص عليه في الفصل الرابع من الباب الأول في الدستور.
إن ضرورات ترتيب البيت الداخلي لتمتين الوحدة الداخلية من شأنها أن تعبد الطريق لتحقيق تنمية مستدامة تنطلق من أسس قادرة على الاستمرار وتسييج الوحدة الوطنية في مواجهة تبعات التراجع الملحوظ في أداء الاقتصاد التونسي والانعكاسات الاجتماعية السلبية على المواطنين؛ حيث تقدِّر بعض الأوساط أن البطالة في تونس تصل إلى قرابة 30%، في حين تقدرها الدوائر الرسمية بأقل من نصف هذه النسبة. وتونس التي يتواصل سقوط الأمطار عليها منذ أيام كشفت عن تردي البنى التحتية، التي تحتاج إلى تطوير، بينما يصل الدين العام إلى 40 مليار دينار تونسي (نحو 20 مليار دولار أمريكي)، الأمر الذي حدا بالناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية السيد حمة الهمامي إلى مطالبة الدول الغربية «بإلغاء مديونية تونس لمساعدتها على مجابهة الإرهاب»، كما طالب بإصلاحات اقتصادية ومثلها في السلطات القضائية والأمنية وتوسيع هامش الحرية والديمقراطية وعدم تجريم الاحتجاجات الاجتماعية السلمية، وتشديده على ضرورة تجريم التهرب الضريبي والتهريب.
لا شك أن مواجهة الإرهاب تحتاج إلى جهود كبيرة يأتي على رأسها تجفيف منابع تمويله، والتوقف عن التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، وتجريم بث الكراهية بين مكونات الشعب، وتحقيق المساواة والتنمية المستدامة وإعادة قراءة المناهج الدراسية، التي تزخر بعديد من الدعوات الصريحة على القتل ورفض الآخر وعدم الاعتراف، وذلك من خلال تغييرها ووضع بديل لها يرتكز على قيم التسامح.
تونس اليوم تواجه كل هذه الاستحقاقات، ونخبها السياسية تتمتع بقدر عالٍ من الوعي والحرص على تحقيق تقدم محرز على طريق بناء الدولة المدنية الديمقراطية. وذلك هو الرهان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٢٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-٠٤-٢٠١٥)