التقنية غيَّرت المفاهيم الاجتماعية وأثَّرت في الترابط الأسري

غرباء في زمن العولمة

طباعة التعليقات

الأحساءغادة البشر

العبدالله: المسميات تختلف لكن المضمون لم يتغير حتى الآن
الحمود: استمرار المهرجانات التراثية مطلب اجتماعي
فتحية: نظام الحياة اختلف وأصبح يحتاج جهداً مضاعفاً
أبو صالح: حياتنا كانت بسيطة وبعيدة عن التعقيدات

لم تكن الأسرة في الماضي قاصرة على الوالدين والأبناء وحسب، بل كان معناها أعم وأشمل من ذلك بكثير، فالأسرة كانت تعني الحارة بأكملها، الجميع كانوا أسرة واحدة تربطهم روابط متينة من الحب والرحمة، فالفرح واحد، والوجع واحد، ولا مكان للفوارق الطبقية بينهم فالغني عضيدٌ للفقير، وربما يعتقد بعضهم أن هذه الصورة المثالية لم يعد لها وجود في عصر الذهب الأسود، والعولمة، فهل تغيرت النفوس لدرجة أن الإخوة صاروا يعيشون غرباء تحت سقف واحد، لا تجمعهم أي عاطفة مشتركة، لا تربطهم سوى أربعة جدران تضمهم رغماً عنهم لا حباً واختياراً؟ أم أن النفوس معادن؟.

نظرة تشاؤمية

الحقيقة، أن ما هو موجود ومستنكر الآن، أو حتى ما هو جيد ومحمود هو ذاته ما كان في الماضي، ولكن التطور يلعب دوره، فموديلات الذهب والماس وحتى الفضة والنحاس تتجدد ويتغير شكلها، لكن أصلها يبقى كما هو وليس صحيحاً ما يدعيه بعضهم من أن العولمة والتكنولوجيا قادت المجتمع للتفكك وزرعت الغربة بين أفراده وقضت على عاداته وموروثاته؛ لأن هذه نظرة تشاؤمية وغير منصفة، فالواقع عكس ذلك تماماً فربما أدى تطويع التكنولوجيا لخدمة الإنسان في كل شيء حتى الأمور الشخصية، وربما أظهر أساليب جديدة للتواصل ولكنه لم يلغ التواصل، نحن لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن ننكر وجود الخير والحب في المجتمع وإلا فسيكون على الدنيا السلام.
فما هي فروقات التواصل بين أهالي الحارة بين الأمس واليوم؟ وهل هناك تباين مفرط في علاقاتنا الإنسانية؟ ماضياً وحاضراً؟

بساطة الماضي

الاهتمام بالتراث مطلب لزيادة الترابط الاجتماعي

الاهتمام بالتراث مطلب لزيادة الترابط الاجتماعي

أبو صالح كهل في السبعين من عمره يتحدث إلينا عن ذكريات الزمن الجميل فيقول إن الماضي كان بسيطاً وبعيداً عن التعقيد، فالأمور واضحة وكل شيء يحمل اسمه، والظاهر كالباطن، تماماً كالمرآة تعكس الذي أمامها، ولهذا كان الحب هو سمة العلاقة بين الأهالي التي كانت تقوم على الألفة والمودة، فحتى البيوت في السابق كانت أكثر التصاقاً، ومع هذا كان الفرد ينام قرير العين، لا يخشى من جاره شيئاً، وقد يضطر لمغادرة منزله وترك أهله بمفردهم لأيام وهو آمن عليهم وواثق بأنهم في أيدٍ أمينة، فإن وقع لهم طارئ هناك من ينقذهم وإن احتاجوا شيئاً هناك من يساعدهم؛ فالجار قديماً بمنزلة الأخ لجاره.

مشاغل متنوعة

ويرى وائل الحمود أن مشاغل الحياة قد تحدُّ نوعاً ما من كثرة التزاور ولكنها لا تلغِيه مطلقاً، وليس ما حدث له وحده دليلاً على ذلك، بل الأدلة كثيرة وواضحة؛ فالمهرجانات الخيرية وأعمال الخير التي تلقى تجاوب الناس ويجرون وراءها جرياً والتجاوب مع كثير من الحالات الإنسانية التي تطالعنا بها الصحف كل هذا يدل على أن الدنيا ما زالت بخير.

عادات متوارثة

جانب من الحضور في أحد المهرجانات التراثية

جانب من الحضور في أحد المهرجانات التراثية

وعن التراث والموروثات الاجتماعية يؤكد ناصر السالم أن مجتمعنا من أكثر المجتمعات التي مازالت محافظة على عدد كبير من موروثاتها الاجتماعية، أما التراث فهي لا تحافظ عليه وحسب بل ترعاه وتحترمه وتفخر به، ودليل ذلك ما نجده من عروض تراثية في المهرجانات والمناسبات، بل إن من مميزات أهل هذه البلاد حبهم وشغفهم بالتراث.
ويضيف بأن كثيراً من العادات الاجتماعية المتوارثة ما زالت موجودة وقائمة ولكنها كغيرها من أمور حياتنا دخلها التطور وتأثرت بالتكنولوجيا ولكن المهم أنها مازالت موجودة، ولا نعتقد أن مواكبة التطور تغضب أحداً، أما ما اندثر منها فهو اندثر لأسباب لا علاقة لها بالتكنولوجيا وتغير النفوس ولكن لكونها ضعيفة وغير مفيدة.
ويشير السالم إلى أن القرى والأحياء الشهيرة في الأحساء مازالت تحتفظ بموروثاتها الاجتماعية ومنها القرقيعان والمسحراتي و(نقصة) الطعام وليلة الحنة وحمام العريس وأسبوع المولود وغيرها من العادات الاجتماعية الأخرى.
ويصف السالم «أبناء هذا الجيل بأنهم غفلوا عن التواصل الإنساني أو نسوا تراثهم وتنازلوا عن موروثاتهم، لكن التكنولوجيا والعولمة بريئتان مما ينسب إليهما، ولو كان ذلك صحيحاً لتنازلت كثير من الدول العربية التي سبقتنا للتكنولوجيا والعولمة التي تعدُّ أكثر انفتاحاً على العالم».

حالات خاصة

من جهتها، قالت عهود عبدالله «ربما غلَّف بعض العلاقات الإنسانية الجمود وحاصرتها حواجز المصلحة والفائدة وتسلل الضعف والخداع، ولكن هذا يحدث في حالات خاصة وليست حالة عامة، وهل الزمن الجميل كما يردد بعضهم لم تكن فيه مشكلات وحوادث؟ بالتأكيد لا؛ لأنه منذ بداية الخليقة كان الخير والشر موجودَين في الحياة، فالدنيا مزيج من الخير والشر، ولكن ربما ظروف الماضي خدمت أصحابه عندما كان كل شيء رخيصاً رخص التراب.
وترى عهود أن الوجود جميل إذا أردناه كذلك؛ فالنظرة المتفائلة للأمور تجلب الخير وتورث السعادة في القلب.

طابع إنساني

بعض الأسر تعاني من ضعف التواصل بسبب وسائل التقنية

بعض الأسر تعاني من ضعف التواصل بسبب وسائل التقنية

وتبيِّن شهد العبدالله أن «الطابع الإنساني الرائع للتواصل في مجتمع الحارة قديما مازال موجوداً في كثير من الأحياء والقرى التي لم تقضِ ظروف الحياة على ما في داخل أفرادها من موروثات اجتماعية، فربما تغير اسم المقهى الشعبي إلى كوفي شوب، ولكن مازال الشباب يجتمعون كما كان يجتمع آباؤهم، وما زالت السيدات يستمتعن بشاي الصباح، فالمسميات تختلف ولكن المضمون واحد، وقديماً قالوا: ما نردده هو ما نقتنع به، فمن يعتَدْ الشكوى من المرض يشعر به، وإن لم يكن مريضاً، فكن جميلاً ترى الوجود جميلاً».

تأثير البيئة

وتفنِّد الاختصاصية الاجتماعية فتحية صالح العوامل التي كانت سبباً وراء هذا التحول الذي يراه بعضهم غير إيجابي في تقييمنا للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، فتوضح أن تكلُّف الحياة نفسها هو الذي ولَّد التكلف في النفوس والعلاقات؛ لأن النفس البشرية بطبيعتها تتأثر ببيئتها، ونظام الحياة لم يعد كما كان في السابق، فالمعيشة ذاتها أصبحت تتطلب كثيراً، وتحتاج جهداً مضاعفاً فالذهن لم يعد صافياً كالسابق ولا الوقت أيضاً، ولكن الأمن الذي تتــمتع به هذه البلاد رغم كل ما يحدق بها، دليل على صــحة وسلامة هذا المجتمع الذي مازال رمزاً للتكاتف، فالمجتمع قوي جداً لأنه ربما يكون المجتمع الوحيد الذي استطاع أن يستفيد من التكنولوجيا ويواكب التطور والحضارة ويقبل العولمة دون أن يتنازل عن مبادئه وما تربَّى عليه من دين وأخلاق، وهذا ما لا يجب أن يغفله.
وتؤكد أن الرجوع للوراء ليس هو الحل، فما كان مناسباً في السابق لا تعتقد أنه مناسب الآن، فظروف وطبيعة الحياة اختلفت بعد أن انفتح العالم على بعضه، ولكن المهم التربية السليمة، بالإضافة إلى ضرورة أن يمنح الفرد نفسه مجالاً ومساحة للترفيه عن نفسه من خلال التواصل الإنساني؛ لأن التنازل عن هذه المساحة المهمة يضر بالفرد نفسه قبل أن يضر بمجتمعه؛ لأن العزلة عن المجتمع تؤهِّل صاحبها للاضطرابات والأمراض النفسية التي قد تغزوه دون سابق إنذار.
كما ترى الأستاذة فتحية أن الناشطين في المجال الاجتماعي عليهم أن يساهموا في إنعاش التواصل الاجتماعي وحماية المجتمع من تردِّي كيانه الاجتماعي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٢٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٣-٠٤-٢٠١٥)