الطفل مكون مهم من مكونات المجتمع، وحتى يصبح المجتمع متعافياً وسليماً لابد من إيلاء هذه الشريحة جل العناية والاهتمام، بحيث تتضافر جهود الجهات المعنية ببناء الطفل معرفيا وثقافيا وسلوكيا، وأقصد بالجهات المعنية «الأسرة، المدرسة، المجتمع، وسائل الإعلام المتنوعة». ولا شك أن الأسرة هي النواة الأساسية التي تؤثر في تكوينه الجسمي والنفسي والاجتماعي، ومن خلالها تتم عملية البناء لكونها البيئة الثقافية التي فيها يتعلم الطفل اللغة والقيم والمعارف، ويتدرب على السلوك الحميد، لينتقل إلى مرحلة مهمة وهي المدرسة التي تُعد البيت الثاني، حيث يلتقي بأقرانه الأطفال ويؤثر ويتأثر بهم، وفي هذا المحيط تتم عمليتا التعليم والتعلم، فضلا عن استكمال دور البيت في عملية التربية بترسيخ القيم والمثل والمعارف، إلا أن أبرز المآخذ على التعليم في الوطن العربي هو التركيز على التلقين وحشو ذهن الطفل، فيشب الطفل حفّاظا، فيما لا تجد العمليات العقلية العالية أهمية، التي من خلالها يمكن أن ننشئ المبدعين والمبتكرين. ورغم المحاولات في التغيير من تعليم جامد إلى تعليم مؤثر، إلا أنها تصطدم بصخرة ضخمة لم تستطع الوزارة الانفكاك منها وهي البيروقراطية، التي تضرب بأطنابها في مفاصلها. ولعلنا ننتظر أشياء إيجابية تحدث بعد عملية الدمج بفك تلك الأسوار المنيعة، سيما وأن الأمم لا يمكن أن تنهض وتصل إلى مواقع طموحاتها إلا بالتعليم الفاعل، وتجيء العوامل الخارجية «المجتمع والإعلام» كمؤثرين قويين في الطفل، وأصبح التعليم بشكل خاص منافسا قويا للأسرة والمدرسة في إكساب المعارف والسلوكيات بنوعيها الإيجابي والسلبي. أما الإعلام المرئي بحسب بعض الدراسات أكثر تأثيراً لأنه يلامس حاستي البصر والسمع ويتمتع بالجاذبية والإدهاش، وهنا يقع الطفل في دوامة ضخمة أمام هذا الزخم الكبير من وسائل الإعلام. وتختلف المواد الإعلامية بين التي تركز على الكسب المادي وجني الأرباح دون النظر إلى القيم والعادات التي ينبغي الالتزام بها، ومع الأسف الشديد تمكنت من استمالة أذواق الأطفال والسيطرة على عقولهم، وهنا يقع الطفل في منعطف خطير يتمثل في الازدواجية، بين ما ينبغي أن يكون بحسب توجيه الأسرة والمدرسة، وبين تلك البرامج التي ترفد عقل الطفل بالثقافة التي لا تتواءم مع تكوينه النفسي والاجتماعي والعقلي، وهنا تكون الغلبة للمؤثر الأقوى المتشكل من الصندوق الساحر بألوانه ومؤثراته أو من وسائط الاتصال الاجتماعي، التي تفاقمت في الوقت الحاضر بشكل مدهش. ولمّا كان دور المدرسة ضعيفا بسبب العمليات التعليمية التي تركز على المستوى المتدني في هرم مستويات المعرفة لعالم التربية «بلوم»، فإن الحصانة لديهم تكون هشة ويسهل اختراقها عن طريق المواد الإعلامية المحكمة التوظيف، التي تُسهم في تشكيل سلوكه، وتحدث استجابات معينة في إدراكه، لأنه يختزلها وتصبح ضمن رصيده الثقافي والوجداني، وهنا ينبغي أن تنهض الوسائل الإعلامية العربية في القيام بأدوارها من أجل البناء المتكامل لشخصية الطفل، وإيضاح مفهوم الخير والشر وآثارهما على الإنسان، ومخاطبة العاطفة واحترام العقل وإثراء الخيال بالأشياء الإيجابية، والمحافظة على اللغة العربية باستخدام الفصحى، والتناغم مع البرامج التربوية مع أهمية التنويع في نوع المواد الإعلامية والاهتمام بالمستوى الفني وطريقة العرض. يقع على عاتق المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مسؤولية كبيرة في طرح قضية كهذه، ليس من أجل حجب الغزو الفضائي فهذا مستحيل، بل بتقديم رسالة إعلامية تتناسب وثقافتنا، لتؤسس حصانة نفسية وعقلية ووجدانية أمام غزو الرسائل الإعلامية القوية، التي تأتي من كل حدب وصوب. وعودة لدور المدرسة نلحظ أن دور المسرح يكاد يكون معدوما، ولا توجد مجلات خاصة للأطفال ذات عمق ثقافي ومعرفي، وما زلنا – مع الأسف – لم نتجاوز العتبة الأولى في صناعة أفلام كرتون أو إنتاج برامج الألعاب الإلكترونية بنكهة محلية.
ومضة: إن إهمال هذه الشريحة كمن يضع ورقة بيضاء خفيفة في مهب الريح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٢٦) صفحة (١٣) بتاريخ (١٣-٠٤-٢٠١٥)