عندما نريد التحدث عن تاريخ المملكة لابد لنا أن نتذكر أبا المؤرخين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ فمنذ شبابه وهو مهتم بتاريخ المملكة حيث يُعدُّ مرجعاً مهماً في هذه الحقبة الزمنية التاريخية المهمة

عندما تعود بنا الذاكرة لأكثر من قرنين ونصف القرن ونتذكر مدينة «الدرعية» عاصمة الدولة السعودية الأولى التي تأسست سنة 1157هـ على يد الإمام محمد بن سعود عقب الاتفاق التاريخي الذي تم بينه وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب، حيث كانت الدرعية إحدى الحواضر الصغيرة آنذاك، وما لبثت أن اشتهرت وازداد سكانها ونشاطها من خلال الإقبال الكبير من طالبي العلم الذين يفدون إليها لتلقي العلم على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فأصبحت من الحواضر والمعاقل العلمية المشهورة آنذاك.
عندما نتحدث عن الدرعية يمثلُ أمام ذاكرتنا الإمام عبدالعزيز بن محمد الذي كان قائداً للجيوش في عهد والده والعقل المفكر لبناء وتأسيس الدولة السعودية الأولى، كذلك يفرض علينا التاريخ أيضاً أن نتذكر أحد أبطال الجزيرة العربية آنذاك وأحد أئمة الدولة السعودية الأولى الذي على يديه اتسعت الدولة اتساعاً كبيراً وذاع صيتها وشهرتها أثناء عهد والده ومن ثم في عهده هو الإمام/ سعود بن عبدالعزيز، وعندما نتحدث عن الدرعية تعود بنا الذاكرة إلى أن نتذكر جحافل الجيوش الجرارة والحملات العسكرية التي قدمت إلى الجزيرة العربية من مصر بتوجيه من الدولة العثمانية بهدف إسقاط الدولة السعودية الأولى، حيث تم إرسال عديد من الحملات العسكرية كان أشرسها حملة إبراهيم باشا سنة 1232 هـ الذي تمكن من القضاء على الدولة السعودية الأولى بعد أن حاصر الدرعية لمدة 6 أشهر وسقوطها بيده بعد استسلام آخر أئمتها عبدالله بن سعود شريطة سلامة الدرعية وأهلها من أي تدمير أو وجود عسكري دائم فيها، إلا أنه نكث الوعد وسلط مدافعه صوب الدرعية وهدمها محاولة لطمس تاريخها حيث أسر إمامها وكثيرا من أهلها وذهب بهم إلى مصر، وكان ذلك أوائل سنة 1234 هـ.
وامتداداً لتاريخ الدولة السعودية تمكن الإمام تركي بن عبدالله من إعادتها مرة أخرى، وقد اتخذ من «الرياض» عاصمة له بدلاً من الدرعية وبعد وفاته خلفه ابنه الإمام فيصل بن تركي، إلا أن الرياض لم تسلم من الحملات العسكرية العثمانية فتواصل إرسال الحملات العسكرية على الجزيرة العربية محاولة منهم القضاء على الدولة السعودية مرة أخرى وبالفعل تم لهم ذلك وتم أسر الإمام فيصل بن تركي والذهاب به إلى مصر إلا أنه تمكن من الرجوع وإعادة الدولة مرة أخرى حتى وفاته سنة 1282 هـ، بعدها تنقل الحكم بين أبنائه الأربعة حتى انتهت فعلياً سنة 1308 هـ بمغادرة الإمام عبدالرحمن بن فيصل مدينة الرياض متوجهاً إلى الكويت.
ثم جاء دور المؤسس ـ طيب الله ثراه ـ عندما عاد من الكويت واستعاد مدينة الرياض سنة 1319 هـ وبعدها بدأت فترة التوحيد حتى سنة 1351 هـ ومن ثم فترة التأسيس.
عندما نريد التحدث عن تاريخ المملكة لابد لنا أن نتذكر أبا المؤرخين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ فمنذ شبابه وهو مهتم بتاريخ المملكة حيث يُعدُّ مرجعاً مهماً في هذه الحقبة الزمنية التاريخية المهمة، ولا أدل من ذلك إلا ترؤسه لمجلس دارة الملك عبدالعزيز التي تُعنى بتاريخ المملكة عامة وتاريخ الملك عبدالعزيز خاصة، فسخر كل الإمكانات المادية والبشرية لها حتى تمكنت من جمع أغلب الوثائق والمصادر التاريخية التي تتحدث عن تاريخ المملكة.
كانت فكرة تطوير الدرعية التاريخية ماثلة أمام ـ الملك سلمان ـ منذ أن كان أميراً لمدينة الرياض وتحديداً منذ 3 عقود، وبدأ العمل بها، وها هي ترى النور الأسبوع الماضي عندما افتتح ـ الملك سلمان ـ مشروع البجيري وتم ربط حي الطريف بالبجيري عبر جسر صغير على ضفتي وادي حنيفة لإبراز القيمة التاريخية لحي الطريف لأنه كان مقراً لسكنى الإمام محمد بن سعود وأسرته ومن هنا جاءت القيمة والأهمية التاريخية، وتعد هذه الفكرة من أروع الأفكار التي تم تنفيذها وخاصة على الجانب التاريخي لمدينة الدرعية خاصة ولتاريخ المملكة عامة، لأن المواقع التاريخية هي جمال كل وطن وهي التي تتحدث عن تاريخه وماضيه الجميل، وعن رجاله الأوفياء، وهي التي تربط الماضي الجميل بالحاضر المشرق، لأن من ليس له ماض ليس له حاضر، فتاريخنا نشاهده الآن عبر مدينة الدرعية التاريخية وتشاهده الأجيال الجديدة التي هي بحاجة إلى التعرف على تاريخ وطنها، وسيصبح هذا المشروع متاحاً للجميع لزيارته والاستمتاع بعبق التاريخ القديم من خلال المحلات التجارية والأسواق، وسيكون مزاراً لضيوف المملكة من الداخل أو الخارج، وستكون مدينة الدرعية التاريخية وجهة سكان الرياض للاستمتاع بما هو مهيأ من جلسات ومقاهٍ ومطاعم وغيرها.
ختاماً الاهتمام بالآثار والمواقع التاريخية من الأشياء الضرورية التي تهتم بها كل الدول، ونتمنى أن تهتم الدولة بجميع المواقع الأثرية والقديمة في كل مدينة ومحافظة من وطننا الغالي حتى تكون تلك المواقع مزاراً للجميع وخاصة النشء منهم لأنهم بحاجة إلى تعريفهم بتاريخهم الوطني وبصفة مستمرة، وإنني هنا أقترح في سياق تفعيل الدور التاريخي للحاضنة الأم لوطننا – الدرعية – إنشاء دارة أو مكتبة مستقلة بالدرعية تحمل اسمها وما يرتبط بها كتعميق لرمزيتها وربط الأجيال وحركة البحث التاريخي الوطني بها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٣١) صفحة (١١) بتاريخ (١٨-٠٤-٢٠١٥)