الطب يبحث عن أسراره ولم يتم التوصُّل إلى علاجه حتى الآن

«التوحّد»..مرض الغموض والانطوائية

طباعة ١ تعليق

أبهاعبده الأسمري

آل زعلة: يحب أن يكون العلاج مبكراً مع ضرورة التشخيص السليم.
ملاحظة سلوك الطفل المصاب أول خطوة لتشخيص حالته الصحية.
70 % من المصابين يعانون من نقص في القدرات العقلية.
الصّباغ: جلسات التخاطب تركز على الفهم والإدراك والتعبير.

قبل بلوغ بعض الأطفال عامهم الثالث، تلازمهم كثير من الاضطرابات التي تؤثر على نشأتهم وتشخص حالتهم الصحية بإصابتهم بمرض التوحد، ذلك المرض الذي لا يزال العالم كله يبحث عن تفاصيله وأسراره، مما يعني أن علاج هذا المرض في المستشفيات لا يتم إلا من خلال الملاحظة المباشرة لسلوك الطفل بواسطة فريق من الاختصاصيين، وتقييم ودراسة تاريخ نمو الطفل بعناية عن طريق جمع المعلومات الدقيقة من الوالدين، والأشخاص المقربين، الذين لهم علاقة بحياة الطفل مباشرة.
ومن المعروف عن هذا المرض أنه لا يمكن تشخيص الطفل دون وجود ملاحظة دقيقة لسلوكه، ولمهارات التواصل لديه، ومقارنة ذلك بالمستويات المعتادة من النمو والتطور، ولذلك فإنه في الظروف المثالية يجب أن يتم تقييم حالة الطفل من قبل فريق متكامل من تخصصات مختلفة، ومن الأفضل أن يضم هذا الفريق: طبيب أعصاب، طبيبا نفسيا متخصصا في الأطفال، طبيب أطفال متخصص في النمو، اختصاصيا نفسيا، اختصاصي علاج لغة وأمراض التخاطب، اختصاصي علاج وظيفي، اختصاصيا تعليميا.

اضطرابات سلوكية

الدكتور موسى آل زعلة

ولتناول كثير من الجوانب المحيطة بهذا المرض الغامض، كان الحديث في البداية لاستشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين بكلية الطب بجامعة الملك خالد، ورئيس عيادة البرنامج الوطني لاضطرابات النمو والسلوك بمنطقة عسير الدكتور موسى آل زعلة، الذي تحدث قائلا «التوحد نوع من الإعاقات التطورية، سببها خلل وظيفي في الجهاز العصبي المركزي (المخ)، يتميز بتوقف أو قصور في نمو الإدراك الحسي واللغوي، وبالتالي القدرة على التواصل والتخاطب والتعلم والتفاعل الاجتماعي، يصاحب هذه الأعراض نزعة انطوائية، تعزل الطفل الذي يعاني منها عن وسطه المحيط به من أفراد أو أحداث أو ظواهر، ويصاحبه أيضاً اندماج في حركات نمطية أو ثورات غضب كرد لسبب أو دون سبب». وأضاف آل زعلة «نسبة الإصابة بالتوحد تصل في الذكور أكثر من الإناث بنسبة شخص واحد من بين أربعة أشخاص، ويوجد طفل مصاب بالتوحد من كل 68 طفلا وغالبا ما يساء فهم التوحد وتشخيصه، حيث إن من يصابون به يبدون طبيعيين في عيون أي ملاحظ عابر، وعادة ما يمكن ملاحظة التوحد بشكل واضح بين سن 18 إلى 24 شهرا، حينما يلاحظ الوالدان تأخرا في اللغة أو اللعب أو التفاعل الاجتماعي، وتختلف هذه الأعراض من شخص لآخر وبدرجات متفاوتة، لذلك فكل طفل يعاني من التوحد هو حالة فردية خاصة.

أسباب غامضة

ملتقيات التوحد تقدم الدعم لأسر المصابين

وحول أسباب التوحد قال آل زعلة «بعض العلماء تنبهوا لاضطرابات التوحد التي مازالت غير معروفة بصورة دقيقة وثابتة، وذلك لعدم وجود عرض معين، وإنما مجموعة من الأعراض تختلف من حيث الشدة والنوعية من طفل لآخر، وبوجه عام مازال العلماء حتى الآن لا يدركون بالتأكيد ما سبب التوحد».
وأضاف «الطفل يولد سليماً معافى، وغالباً لا يكون هناك مشكلات خلال الحمل أو عند الولادة، وينمو الطفل بدنيا وفكرياً بصورة طبيعية سليمة حتى بلوغه سن الثانية أو الثالثة من العمر (عادة 30 شهراً) ثم فجأة تبدأ الأعراض في الظهور كالتغيرات السلوكية (الصمت التام أو الصراخ المستمر)، ونادراً ما تظهر الأعراض من الولادة أو بعد سن الخامسة من العمر».

قابلية التحسن

وحول مدى شفاء حالات المصاب بالتوحد قال الدكتور آل زعلة، إن حالة طفل التوحد قابل للتحسن، وهناك دائماً أمل في الشفاء مع تقديم التدخل المبكر وخضوع الطفل منذ الصغر لبرنامج تعليمي تأهيلي منظم ومكثف، خاصة ما بين العام الثاني وحتى الخامس من عمره، ويجب تدريب الأسرة على الأساسيات المهمة في حياة الطفل مثل برنامج لتنمية التواصل والتقليد واللعب، وبرنامج التدريب على الأكل واللبس واستخدام الحمام».

طرق العلاج

غرفة لعلاج أطفال التوحد

وأضاف آل زعلة «رغم عدم وجود علاج يشفي من التوحد، فإن هناك سبلا كثيرة لمعالجته، وهي تهدف إلى مساعدة الطفل على التعايش مع التوحد، ويكون العلاج أكثر فعالية عندما يوضع لكل طفل بما يناسب حالته، وكلما بدأ العلاج في وقت مبكر كانت فرص نجاحه أكبر، ويمكن أن يكون العلاج مزيجا من المعالجة السلوكية التي تساعد على تعلم المهارات، والحد من التصرفات غير الطبيعية، ومعالجة النطق وتحسين مهارات اللغة، والتواصل والعلاج الوظيفي وتحسين المهارات، وتوفير أدوية من أجل تخفيف بعض الأعراض المصاحبة، ويجب التأكيد على أنه ليست هناك طريقة علاج واحدة يمكن أن تنجح مع كل الأشخاص المصابين بالتوحد، كما أنه يمكن استخدام أجزاء لطرق علاج مختلفة لعلاج الطفل الواحد».

قدرات عقلية

وعن مستوى القدرات العقلية والذكاء للمصابين بالتوحد، أكد الدكتور موسى آل زعلة أنه غالبا ما يصاحب التوحد انخفاض لنسبة الذكاء، ولكن هناك أيضا أطفال درجة ذكائهم في المعدل الطبيعي، وعندما يتم اختبار الذكاء لديهم وجد أن 70% من الأطفال المصابين بالتوحد لديهم تأخر وقصور في القدرات العقلية، أي أن قدراتهم العقلية أقل من عمرهم الزمني، أما الثلث المتبقي فنسبة ذكائهم في المدى الطبيعي. وحذر آل زعلة من الاستعجال في التشخيص دون عرض الطفل على طبيب مختص لتقييم حالته والوصول إلى التشخيص الدقيق».

جلسات التخاطب

ركن في المعرض المصاحب ليوم التوحد العالمي

من جهتها قالت اختصاصية التخاطب كريمة محمد الصّباغ «طفل التوحد لا بد أن يمر بجلسات طويلة تخص مسألة التخاطب يختلف وقتها باختلاف الحالة، والعمل في الجلسات يبدأ بخطوات أولها: تركيز الانتباه والحرص على استقرار الطفل في موقع معين حتى يتم عمل الجلسة له، كما أن الأطفال المصابين بالتوحد معروفون بتشتت الحركة وكثرتها، لذلك يتم التركيز على هذا الأمر في علاجهم، على أن يتم استقرار الطفل في موقع معين، ومن ثم إقامة تواصل لفظي معه، ومن ثم البدء في جلسات تركيز الانتباه. وبعدها يتم الانتقال إلى جلسات أخرى وهي الإدراك، بحيث يتم التركيز على إيصال الفهم عن طريق الكلام واللعب وألعاب توظيفية، حتى يتم فهم الطفل لها. فمثلا تبلغه بأن هذا كرسي وهذه تفاحة مثلا، ثم ننتقل لمرحلة التعبير اللفظي، بحيث يتم تدريب الطفل على نطق مسميات الأشياء عن طريق عدة جلسات متواصلة في هذا الجانب، لكي يتحسن فهمه وإدراكه بشكل تدريجي من خلال عدة جلسات، تختلف مدتها باختلاف الحالة، فلكل حالة في التوحد أعراضها وتختلف من حالة لأخرى، ثم تأتي مراحل أخرى واختبارات لتعديل اللغة وتوظيفها في إطارها الصحيح».
وأضافت «يتم عمل برامج للآسر من خلال الأم أيضا لتدريب الطفل في المنزل على أمور متعددة ومختلفة، للتواصل وعمل سلوكياته، ويتم ذلك من خلال عيادة البرنامج الوطني لاضطرابات النمو والسلوك، ومتابعة الحالات في العيادة ومعرفة البرنامج الذي يسير عليه الطفل، ومتابعة حالته والتحسن ورفع تقارير عن كل حالة. ولابد أن تعي الأسر بدورها وأن تراجع العيادات المتخصصة والأطباء المتخصصين، لمعرفة الحالة والتواصل مع المختصين، لمتابعة حالة الطفل منذ ظهور الأعراض عليه، وللتأكد إذا كانت توحدا أم لا من قبل المتخصصين، مؤكدة أهمية وجود جلسات التخاطب التي تتم، لمساعدة طفل التوحد على التخاطب والتعلم والفهم والإدراك، والتدرب على سلوكيات متعددة تساعده وتعينه على السير في حياته».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٣٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٠-٠٤-٢٠١٥)