ثمة شيء ما يتعلق بسن الأربعين، كأنه نقطة يفقد المرء فيها اتزانه لبعض الوقت، يدرك متأخراً أنه تجاوز مرحلة الصبا والشباب دون أن يشعر، أن القطار المزدحم بالأمنيات والأحلام قد أبطأ من سرعته وأن محطة الوصول قد اقتربت كثيراً. يدرك أن كلمة «المستقبل» لم تعد شيكاً مفتوحاً في وجه القادم من الأيام وأن ما لم يحققه أكثر بكثير مما حققه وأقل بكثير مما كان يحلم به. ذلك الرقم المميز تحديداً أصاب الشعراء والأدباء جميعاً بالصدمة، كلهم ارتطموا بحائط الأربعين الخشن الذي يعترض درب أحلامهم وجموحهم، كلهم خربشوا شيئاً من خواطرهم على أحجاره الصلبة، خربشات قلقة وساخطة أحياناً كثيرة، وهادئة ومتأملة أحياناً أقل. لكنهم جميعاً يُجمعون على الإحساس بالخديعة، بالدهشة والاستلاب، وكأن الشباب كان حقاً أبدياً لهم واستيقظوا فجأة ليجدوه قد فارقهم بلا عودة، فتجد فاروق جويدة يناجي أمه:
الطفل يا أماه يسرع نحو درب الأربعين.. أتصدقين؟
ما أرخص الأعمار في سوق السنين!.
وها هو غازي القصيبي يقف حائراً أمام بوابة الأربعين:
وها أنا ذا أمام الأربعين
يكاد يؤودني حمل السنين
تمر الذكريات رؤى شريط
تلون بالمباهج والشجون
إذا ما غبت في طيف سعيد
هفت عيني إلى طيف حزين
أطالع في المودع من شبابي
كما نظر الغريق إلى السفين
وارتقب الخبء من الأماسي
بذعر الطفل من غده الخؤون
وليست مناجاة الأربعين حكراً على الشعراء المعاصرين وحدهم فها هو أبو فراس الحمداني يتحسر على أيام الشباب والغزل التي ولت بعد بلوغه الأربعين فيقول متسائلاً في مطلع قصيدة طويلة يسرد فيها بطولات شبابه مع الحسان:
وقوفك في الديار عليك عارُ .. وقد رد الشباب المستعارُ
أبعد الأربعين محرمات .. تماد في الصبابة، واغترار؟
لكن لحسن الحظ ليست كل الوقفات أمام الأربعين متشائمة بهذا الشكل فنجد «عباس العقاد» يلخص حاله في الأربعين بكلمات متزنة مقطرة بالحكمة:
«كنت في العشرين كالجالس على المائدة وهو يظن أن أطايب الطعام لا تزال مؤخرة محجوزة لأنه لم يجد أمامه طعاماً يستحق الإقبال.. فهو لهذا يزهد فيما بين يديه ويتشوق لما بعده حتى إذا أشفق أن ينهض جائعاً تناول مما بين يديه باعتدال فأمن الجوع وأمن فوات المقبل الموعود».
ولا شك أن أجمل وأبرع وأشمل وأرق وصف وصفت به سن الأربعين هو ما ذكره العلي القدير في كتابه الكريم حين قال «.. حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإنني من المسلمين».
فهي سن اكتمال الرشد والقوة وذهاب الطيش وتجديد التوبة واستشعار نعمة الله فيها وهي سن يتلذذ المرء بالجمع فيها بين بر الوالدين وتربية الذرية وطلب صلاحها ومن ثم إدراك فضل التواضع في الانتماء لجماعة المسلمين دون تعالٍ أو غرور.

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٣٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٢-٠٤-٢٠١٥)