* إن سلوك الوزيرة السويدية، وتقديمها الاستقالة، يشكِّلان سلوكاً اعتيادياً في دولة تحترم حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية

يُعرف عن القانون السويدي أنه لا يلعب مع الذين يتجاوزونه، مهما بلغت مستوياتهم القيادية، باعتبار أن هذه المملكة الإسكندنافية الغنية لم تؤسِّس مجدها إلا باحترام القانون، وإقامة العدالة الاجتماعية، وبالتالي زيادة دخل الفرد، رغم الضرائب التي تتحصلها الخزينة الحكومية من أجور العاملين في البلاد. الخبر الاعتيادي في السويد لكنه المدوي في العالم الثالث، وتداولته أغلب وكالات الأنباء العالمية، والصحف، يقول إن الوزيرة السويدية مانا سالين، قدمت استقالتها من الحكومة بعد أن أدانها القانون السويدي بملء خزان سيارتها الخاصة بالبنزين على حساب الدولة، مستخدمة بطاقة صرف منحت لها من الحكومة بمبلغ يقدر بنحو ستين دولاراً لملء خزان سيارتها الخاصة بعد الدوام الرسمي. الوزيرة أكدت أنها نسيت بطاقتها الخاصة في البيت، واضطرت لاستعمال البطاقة الحكومية، مثبتة بالوثائق الدامغة أنها أعادت المبلغ في اليوم التالي دون أن يطلب منها أحد ذلك، إلا أن القانون السويدي قرر أن هذا التصرف يعتبر استغلالاً للمال العام، فاضطرت سالين إلى تقديم استقالتها فوراً من الوزارة، ومغادرة الكرسي الرسمي.
لاشك أن هذا السلوك الحضاري من الوزيرة سالين يثير كثيراً من الارتياح في أوساط النخب السياسية، والشعبية السويدية، التي تتمسك بنظامها الملكي الدستوري، الذي يشكِّل فيه البرلمان المنتخب سلطة تشريعية حقيقية، تقود البلاد إلى مزيد من التقدم والازدهار، ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي كل عام جديد، بمعدل تُحسد عليه لا يقل عن 2.5 % سنوياً، بما يعزز التنمية المستدامة، التي تسير عليها السويد مند قرابة قرنين من الزمن عندما قررت السير على الحياد بين الإمبراطوريات الناشئة، والهرمة. فهي دولة تصنَّف بين البلدان الخمسة الأولى الأقل في معدل وفيات الرضع، كما أنها تحتل مركزاً متقدماً في متوسط الأعمار، ونقاء مياه الشرب، وتُخضع الرعاية الصحية لرعاية مجالس المقاطعات، وتموّلها بشكل رئيسي من الضرائب، مع رسوم رمزية على المرضى. والحال لا يختلف في القطاع التعليمي، الذي يعتبر واحداً من أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، ما يفسر التقدم التكنولوجي، والصناعي الذي تتمتع به السويد، وبالتالي ارتفاع معدل الناتج المحلي الإجمالي، الذي يقترب من 400 مليار دولار، في دولة لا يزيد عدد سكانها عن 9.4 مليون نسمة، ويصل معدل دخل الفرد فيها إلى قرابة 41 ألف دولار سنوياً. لهذا صنفتها مجلة «الإيكونوميست» في المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الديمقراطية، والسابعة على المستوى العالمي في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية.
نقول إن سلوك الوزيرة السويدية، وتقديمها الاستقالة، يشكِّلان سلوكاً اعتيادياً في دولة تحترم حقوق الإنسان، والحرية، والديمقراطية، ومكونات المجتمع، وتتمسك بالسلم الأهلي، والاستقرار الاجتماعي الضروري للتنمية المستدامة، لكن هذا السلوك من الوزيرة مانا هو سلوك مستهجن، ومقلق في آن واحد بالنسبة لدول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، التي تفتقد للشفافية، والإفصاح، ويضرب الفساد أطنابه في كل الحقول، والقطاعات الإنتاجية، وغير الإنتاجية فيها. ويكفي أن تسأل أي محلل اقتصادي، أو مالي عن نسبة التسرُّب في موازنات العالم الثالث، ليرشق بنسبة لا تقل عن 30 %، وتصل في أحيان كثيرة إلى ما يربو على 60 %، وهو الأمر الذي يفسر مستوى البطالة، والفقر، والعوز، والمرض الذي تعاني منه دولنا، فضلاً عن الأزمات المتناسلة، التي تأتي تباعاً، وأقصى معالجة لها تتم عبر إدارتها، وليس حلها.
ماذا لو تساهل القانون السويدي مع الوزيرة مانا سالين؟
سبق أن أشرنا في إحدى المقالات إلى حكاية مسؤول من العالم الثالث، الذي سأل وزيراً عن مصدر الأموال، التي وفَّرها لبناء منزله، فأشار المسؤول الأوروبي بإصبعه للجسر القابع على بُعد بضعة كيلومترات، وقال له: نسبة 5 % من كلفة الجسر وفَّرت لي أموال بناء بيتي. بعد سنوات زار المسؤول الأوروبي صديقه في بلده في العالم الثالث، فاستضافه الأخير في قصره. سأل المسؤول الأوروبي نظيره: من أين وفَّرت مبلغ بناء القصر، فأجاب المضيف: هل ترى ذاك الجسر؟ حدق الأوروبي، ولم يجد جسراً، فقال له زميله: نسبة 100 % من كلفة الجسر، الذي لم تره، ولن تراه بها بنيت.
لو تساهل القانون السويدي مع الوزيرة سالين لاستشرى داء الفساد المالي، والإداري، وأخذ في التفشي، وانتقلت العدوى من الدول النامية، التي لاتزال تعاني من نسب مهولة في الفساد بشتى أشكاله، حيث تشير الإحصاءات إلى أن حجم الفساد على المستوى العالمي يبلغ 1000 مليار دولار أمريكي، منها ما بين 30 إلى 40 % في الوطن العربي، أي ما يتراوح بين 300 إلى 400 مليار دولار، وهي مبالغ فلكية من شأن توظيفها إيجاد 20 مليون فرصة عمل سنوياً في البلدان العربية، التي تحتاج سنوياً إلى قرابة 5 ملايين فرصة عمل جديدة لتحافظ على نسب البطالة المستشرية.
وجَّهت الوزيرة السويدية مانا سالين باستقالتها من منصبها بسبب تجاوز إداري غير مقصود، صفعة لنظام الفساد، والمفسدين، الذين تزداد أعدادهم في الوطن العربي بمعادلة هندسية مرعبة تضاعف الفقر والعوز والمرض.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٣٧) صفحة (١١) بتاريخ (٢٤-٠٤-٢٠١٥)