لعقود كانت منطقة الباحة تطلق عصافيرها من خريجي طلاب وطالبات المرحلة الثانوية، لتهبط فوق أشجار بعيدة، ليواصلوا دراساتهم في جامعات المملكة. وكثيرون منهم استقر بهم المقام، وطابت لهم الحياة في تلك المدن البعيدة، مما سبب نزحا سكانياً ملحوظا، وتخلخلاً في التركيبة السكانية. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن نسبة الهجرة من المنطقة قاربت 50%، وواحدة من أهم أسباب الهجرة الجائرة عدم توفر جامعة تستقبل أبناءهم من خريجي الثانوية، الأمر الذي أدى إلى مطالبة الأهالي بفتح جامعة، ليتمكن أبناؤهم وبناتهم من مواصلة الدراسة دون اللجوء إلى مظنة السفر، وتعب الترحال، ومشقة الغربة، وقد جاء البشير بفتح جامعة الباحة قبل عشر سنوات، التي بدأت صغيرة، وتنامت حتى وصل عدد طلابها وطالباتها إلى ما يقارب 30 ألف طالب وطالبة، تحتويهم كلياتها المتناثرة في أرجاء المنطقة. وبوجود الجامعة حدث الاستقرار السكاني، بل إن الباحة بدأت في الآونة الأخيرة استقطاب الطيور العائدة، سيما وأن الباحة ومحافظاتها لا تختلف عن المدن من حيث توفر أسباب المعيشة المريحة ومصادر الحياة المدنية المتطورة، إلا أن الباحة تتفوق عليها بالهدوء والمناخ الآسر والمناظر الطبيعية الخلابة، مما يؤهلها لأن تكون منتجعا صحيا وسياحيا لسكان المملكة، واستمرت جامعة الباحة تدفع بخريجيها كل عام لبعض التخصصات العلمية والأدبية، إلا أن دفعتها التاسعة التي احتفلت بها قبل أيام قلائل كان الموضوع مختلفا تماما، حيث ابتهجت منطقة الباحة بتخريج أول دفعة من كلية الطب، فيما تخرّج في السنوات الماضية كثير من المهندسين، الذين انخرطوا في شتى الأعمال سواء في المصالح الحكومية أو المؤسسات الأهلية، وحين وقف خريجو كلية الطب أمام أمير منطقة الباحة الأمير مشاري بن سعود بن عبدالعزيز، والجمهور الذي ملأ مدرجات الملعب، انبرى عميد كلية الطب الدكتور عماد كوشك وخريجو الطب ليؤدوا القسم بكلمات عميقة في معناها موجزةفي كلماتها، كان المنظر مهيبا وجميلا، حيث إن الاحتياج إلى الأطباء السعوديين ما زال قائما، سيما وأن أغلبيتهم أثبتوا جدارتهم وكفاءتهم في أداء هذه المهنة الإنسانية العظيمة.
لقد اتشح المكان (مدينة الملك سعود الرياضية) الذي ضم فقرات الحفل ببهاء المناسبة، مما أبرز مفارقة عجيبة حدثت في غضون عقود قليلة، فكان الأهالي في وقت مضى يتجهون إلى عيادات شحيحة الإمكانات، بها أطباء من دول عربية، حيث يقوم الطبيب بكل الإجراءات من تمريض وتطبيب وأحيانا إجراء عمليات صغرى. وكثير من المرضى يتجهون إلى الأطباء الشعبيين لتتصالح جلودهم بالإكراه مع سن الحديد المدبب والساخن، لتترك مشكلات كندوب عميقة تبقى أثراً على مر الزمن، أو تجبير لعظام مهشمة بالأساليب القديمة. الآن يوجد بالمنطقة 10 مستشفيات تضم 1135 سريراً وكذا 104 مراكز صحية، والأجمل أن تُقدم جامعة الباحة ثمرة جهدها في هؤلاء الأطباء الذين لاحت على محياهم قناديل التفاؤل.
ازدان مساء الباحة بالخريجين الذين فاق عددهم خمسة آلاف خريج لمختلف التخصصات العلمية والأدبية، وقد حلقّت الجامعة في اتجاه يُشكر القائمون عليه، وهو توفير فرص إكمال مؤهل البكالوريوس والماجستير للموظفين الراغبين في رفع مستواهم العلمي والمهني عن طريق برنامج «تجسير» بحيث تكون الدراسة مسائية.
وفي ذات المساء البهيج أعرب عدد من الأطباء الخريجين بأن لمنطقة الباحة دَيناً عليهم، ووعدوا بممارسة العمل بمستشفياتها مع التزود بالمستجدات العلمية في علوم الطب من أي مكان في العالم، وها هي الباحة الفيحاء تضع لبنة بناء في مسيرة الحياة الناهضة، بعد أن كانت تنتظر قدوم الأطباء من خارج المملكة، وفي الوقت نفسه تمكنت جامعة الباحة من مسايرة جامعات المملكة في خدمة الوطن، بشباب يحملون مؤهلات علمية وأدبية تُسهم في عملية البناء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٤٧) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٤-٠٥-٢٠١٥)