* ربما في التنمية المستدامة، التي يبدو أن بعضهم يقزم مفهومها ويحصره في أمن الأنظمة، ثمة ما يقلق مواطني المنطقة العربية، التي تعاني من أمراض عضال لا يمكن معالجتها بالمال الأسطوري..

في أجواء الحروب والاضطرابات الداخلية في كثير من الدول العربية، عقد يوم الخامس من مايو الجاري بالعاصمة البحرينية المنامة «المؤتمر العربي حول التنمية المستدامة» بتنظيم من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا «إسكوا»، حيث تناوب على المنصة كبار المسؤولين المحليين والأمميين أكدوا جميعهم على ضرورة إنجاز أهداف الألفية التي تعهدت حكومات العالم بإنجازها في العام 2000، على أن تراجع بعد خمس عشرة سنة، إذ من المقرر أن تعقد قمة أممية لهذا الخصوص في نيويورك في شهر سبتمبر المقبل.
في خطابات الجلسة الافتتاحية التي غابت عنها مؤسسات المجتمع المدني المحلية لأسباب غير مفهومة، تم التشديد على ضرورة تحقيق التنمية المستدامة بمفردات ومصطلحات تقنية لم تقترب من الوهج الاجتماعي والسياسي المتدهور في المنطقة، إلا بعض الاستثناءات العابرة في كلمات مسؤولي الأمم المتحدة، مثل وكيل الأمين العام التنفيذي للإسكوا ريما خلف، التي أشارت في كلمتها بجلسة الافتتاح إلى أن «التنمية المستدامة هي حق مشروع لجميع الشعب، لا يتحقق ما لم تتوفر له الموارد المالية والبشرية، والمؤسسات القوية الفاعلة وإنها حق لا يستقيم ما لم يسد الأمن المجتمعي المبني على مواطنة متساوية في ظل حكم صالح يقوم على الاحترام القاطع لحقوق الإنسان للجميع»، وذلك في محاكاة من مسؤولة الإسكوا عن أسباب الاضطرابات المتصاعدة في المنطقة العربية. لذلك هي واصلت الجهر بالتأكيد على أن المنطقة العربية تشهد اليوم «اتجاهات مثيرة للقلق: تزايد في عدد اللاجئين والنازحين قسرا وفي أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل من الشباب والنساء، وتفاقم المشكلات الاجتماعية والبيئية، والمستقبل القريب لبعض دولنا لا يبشر بخير، فكيف للمنطقة العربية أن تتقدم على درب التنمية المستدامة والاحتلال الإسرائيلي مستمر دون رادع في انتهاك الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي وفي تهديد الأمن والسلام في المنطقة بأكملها؟، التنمية المستدامة هي الأساس الذي تقوم عليه اقتصادات قوية تشمل الجميع وتقضي على الفقر والبطالة، وهي الأساس الذي تبنى عليه مجتمعات آمنة مستقرة، خالية من الخوف والتهميش، وهي السبيل لحماية مواردنا الطبيعية وبيئتنا لخير أبنائنا وأحفادنا».
وبعيداً عن بعض الإحصاءات المنمقة التي دفعت في المؤتمر، إلا أن الواقع أكبر بكثير من عمليات التلميع بأصباغ باهتة لا تصمد أمام الحقائق. فالإحصاءات الحقيقية غائبة عن أغلب جلسات المؤتمر رغم بعض الشذرات هنا أو هناك، كما فعل الأمين العام المساعد نائب المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إبراهيم ثياو، الذي قال إن 90% من المياه المستخدمة في العالم الثالث تذهب هباءً دون أن تتم معالجتها، وأن دول العالم تحتاج خلال الـ50 عاما المقبلة إلى نحو 98 تريليون دولار ليتم خفض درجات الحرارة في الكرة الأرضية.. وأن المنطقة العربية هي أكثر المناطق هشاشة من حيث الحاجة للمياه». في هذا الوقت سمع المؤتمرون كلاماً مصفوفاً عن الأمن باعتباره أولى الأولويات بمعزل عن التنمية المستدامة التي يدعي كثيرون أنها أنجزت في بلادهم قبل الموعد، ويدخلون مقاربات غريبة حين يتم اعتماد دولار وربع الدولار الأمريكي مقياسا للفقر في دخل الفرد!، في الوقت الذي يعرف هؤلاء أن هذا المقياس لدول مدقعة في فقرها وفسادها واضطراباتها الداخلية وليس لدول تنعم بنحو 37% من الثروة السيادية على مستوى العالم، حيث يبلغ حجم الصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي وحدها 2.678 تريليون دولار من أصل 7.111 تريليون دولار حجم الصناديق السيادية في العالم.
ربما في التنمية المستدامة، التي يبدو أن بعضهم يقزم مفهومها ويحصره في أمن الأنظمة، ثمة ما يقلق مواطني المنطقة العربية، التي تعاني من أمراض عضال لا يمكن معالجتها بالمال الأسطوري. فالثروة لا تغني عن ضرورة أن يكون المجتمع صحيا كما صحة الفرد، كما قال المليونير اليوناني أوناسيس: «لقد اكتشفت في مرضي أن الصحة هي الشيء الوحيد الذي لا يشترى بالمال، فإذا افتقدها الإنسان افتقد معها كل شيء». وهذا التعبير ينطبق على المجتمعات المريضة التي تعاني من أمراض كثيرة منها الاجتماعي والاقتصادي ومنها السياسي والأمني.
تعرف التنمية المستدامة بأنها «عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات وكذلك الأعمال التجارية بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها». هذا التعريف الشامل هو الذي ينبغي على مجتمعات العالم الثالث السير عليه، وليس ما يطبق حالياً بشكل مبتور، حيث تغيب المجتمعات عن التنفيذ وتغيب العدالة الاجتماعية والحريات العامة والخاصة فضلا عن الديمقراطية التي هي أساس لكل تطور يراد له أن يقود أي مجتمع ليعيش في «صحة وسعادة ويتمتع بالثروة»، كما قال مسؤول أممي في مؤتمر المنامة.
إن التحدي الذي تواجهه المجتمعات العربية اليوم يتركز في قدرتها على تجاوز عمليات التفتيت ومحاولة إبراز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية والقومية الجامعة، وإعادة تركيب المنظومة المجتمعية والسياسية بما يمكن من تنفيذ متطلبات التنمية المستدامة وفق التعريف الأممي، وبخلاف ذلك ستبقى هذه التنمية مترنحة وسط فساد يتم تحصينه بقانون لا يطبق على الجميع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٥١) صفحة (١١) بتاريخ (٠٨-٠٥-٢٠١٥)