حق العودة يعتبر من الحقوق غير القابلة للتصرف من أيٍّ كان، ولا يمتلك التنازل عن هذا الحق إلا صاحب الشأن، وبشكل فردي، كما قرر ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948

كأنما التاريخ عندما يريد أن يعيد نفسه، تكون المهزلة أكثر رقياً منه. هذا الحال ينطبق على نكبة الشعب الفلسطيني الثانية في مخيم اليرموك على أطراف دمشق، الذي تضاءل عدد سكانه من قرابة 400 ألف نسمة قبل «تفجّر الأحداث» في سوريا عام 2011، ليصل اليوم إلى أقل من ستة آلاف شخص، وذلك بعد أن شهد عملية تدمير شبه كاملة لمنازله، ومبانيه، وهو الذي تأسس العام 1957. وكأن الشعب الفلسطيني في حاجة إلى نكبة دموية أشد وطأة من نكبة العام 1948، التي تمر ذكراها السابعة والستين اليوم الجمعة. ففي النكبة الأولى أقدم الكيان الصهيوني على تشريد، وطرد قرابة 800 ألف فلسطيني من ديارهم، وهدم أكثر من 500 قرية، وتدمير المدن الفلسطينية الضاربة جذورها في التاريخ، كما قام بتحويل مكانها إلى مدن للمستوطنين القادمين من وراء البحر، وقد كان في فلسطين مع نهاية حقبة الانتداب البريطاني، وبداية النكبة أكثر من مليوني نسمة، نسبة اليهود منهم لا تتجاوز 30% من إجمالي السكان، ومع ذلك جاء قرار التقسيم الأممي ليمنحهم غالبية مساحة فلسطين على حساب الشعب الأصلي، الذي تم تهجير قرابة نصفه مع تأسيس دولة الكيان الصهيوني في نفس يوم النكبة.
القدس، عروس المدائن، التي تتشرف باحتضان المسجد الأقصى، الذي بارك الرحمن حوله، وأسرى إليه نبي الرحمة، تم تقسيمها لتكون غربية للمستوطنين، وشرقية للسكان الأصليين، لتأتي عملية التهويد، و»الصهينة» الممنهجة للمدن الكبرى مثل حيفا، ويافا، وصفد، حيث جرت عمليات تغييرٍ لملامح المدن والقرى، لدرجةٍ حوَّلت العصابات الصهيونية المساجدَ إلى معارض فنية، كما هو الحال مع مسجد السوق في صفد، الذي تحوَّل إلى معرض للصور والتحف. هذه المدينة كانت مركزاً تجارياً، ومصيفاً جميلاً للفلسطينيين قبل النكبة، تحوَّلت بعدها إلى مدينة صهيونية، يحرم على الفلسطيني السكن فيها، وهي مدينته التي تم اقتلاعه منها.
في غمار التيه العربي، الذي دحرج القضية الفلسطينية إلى منحدرات خطيرة، ثمة ضرورة لإعادة التذكير بالثوابت الإنسانية بالدرجة الأولى، والسياسية والوطنية بالدرجة الثانية، والمتمثلة أبرزها في حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذين تم طردهم من ديارهم بغير وجه حق، تمشياً، والتزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية، التي تحرم منع عودة الإنسان إلى وطنه. فحق العودة يعتبر من الحقوق غير القابلة للتصرف من أيٍّ كان، ولا يمتلك التنازل عن هذا الحق إلا صاحب الشأن، وبشكل فردي، كما قرر ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر عام 1948، خصوصاً في المادة الثالثة عشرة، التي تنص على «لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده». هذا النص يعتبر من أساسيات حقوق الإنسان، ولذلك فهو موجود في أغلب دساتير العالم، وكذلك المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، باعتبار ذلك حقاً محصَّناً لا يمكن التصرف فيه، أو تغييره.
وباعتبار حق العودة هو حق أصيل، فقد تكرر هذا النص في المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان، كما تم تعزيزه بالقرار الشهير رقم 194 من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك في 11 ديسمبر عام 1948، ويقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والتعويض. وواصل المجتمع الدولي ضغوطاته في هذا الصدد بتأكيده القرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة، ولم يعارضه إلا الكيان الصهيوني، الذي انضمت إليه الولايات المتحدة الأمريكية بعد اتفاقية أوسلو.
إن حق العودة للشعب الفلسطيني هو حق راسخ لا ينقضي بمرور الزمن، وغير قابل للتلاعب به، أو وضعه على طاولات المفاوضات، حيث تقرر المنظمة الأممية بأنه حق لا يخضع للمفاوضة، أو التنازل عنه.
صحيح أن العرب يعانون الأمرَّين في كثير من البلدان العربية، لكن ذلك لا يجب أن يعفيهم من مسؤولياتهم القومية تجاه القضية الفلسطينية، وعليه ينبغي ممارسة أكبر الضغوطات لاستعادة الشعب الفلسطيني المشرد حقه الأصيل في العودة إلى أرضه، تطبيقاً لكل ما سيق أعلاه من مواثيق. وفي المقابل فإن الكيان الذي يجلب المستوطنين من مختلف البقاع لا يملك الحق في إسكان هؤلاء على أراضي أصحابها الفلسطينيين، الذين أجبروا على العيش في الشتات ليصل عددهم في الوقت الراهن إلى ما يربو على ستة ملايين فلسطيني.
في المحصلة، والشعب الفلسطيني، ومعه الشعوب العربية، وهم يحيون يوم نكبة فلسطين الأولى، تنتصب نكبات جديدة مسؤوليتها تقع على عاتق النظام الرسمي العربي العاجز عن تلمس طريق الصواب منذ النكبة الأولى، لنصاب بنكبات متناسلة، الواحدة من أختها، لكن القابضين على الجمر، الذين يرون بزوغ الفجر على فلسطين، سيظلون يرددون بحماس أكبر قول الشاعر الفلسطيني الكبير:
يا ظلام السجن خيم/ إننا نهوى الظلاما
ليس بعد القيد إلا مجد فجر يتسامى
ثمة يقين يتعزز وسط هذه العتمة بأن الجدارية الفلسطينية، التي طرزها مجموعة من أطفال، وشباب فلسطين، بأسماء مدنهم، وقراهم، وعلقوها في احتفالية رائعة في المنامة، التي احتضنتهم قبل سنوات، سوف يعيدون تعليقها في القدس، حيث يجب أن تكون في المكان الذي يليق بها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٥٨) صفحة (١٣) بتاريخ (١٥-٠٥-٢٠١٥)