الحب والمهارة في عمل ما قد لا يكفيان للنجاح فيه، فالواجب أن نوازن في عملنا، وأن نتعرف على إمكاناتنا وقدراتنا عند الانتقال إلى أي مجال آخر حتى نتجنَّب الفشل

تقول المستشارة الاستراتيجية دوري كلارك، في مقال لها بعنوان «لا تعمل فيما تحب»، إن من الواجب على الإنسان أن يتوخى الحذر من العمل فيما يحب، وهو غير متقن له، أو غير قادر على تنفيذه. وقد لخصت مقالها في أربعة عناصر ترى أنها قد تفيد أي شخص «متلقي» في بناء ذاته، وشخصيته، ومن ثم مستقبله، الذي يعمل له. والعناصر التي ذكرتها المستشارة هي: أنت تحب شيئاً ولكنك غير بارع فيه، أنت تحب شيئاً وبارع فيه، ولكن لا تحب الأمور التي معه، أنت تحب ما تعمل، وماهر فيه، ولكنك تحبه أكثر من اللزوم، وأخيراً لن يدفع لك أحد في الشيء الذي تحبه. فهل نوافق هذه المستشارة الاستراتيجية في قولها، أم لنا رأي آخر؟
دعونا نتحدث عن عبارة «لا تعمل فيما تحب»، وهل ما تحمله هذه العبارة من مضامين هو صحيح أم لا؟. أولاً: قد أختلف معها في عبارتها هذه، لأنها قد تعطِّل كثيراً من الطموحين، والمتحمسين للعمل فيما يحبون، ومعظم نجاحات الآخرين كان سببه توجههم للعمل في مجالاتهم، وتخصصاتهم، وفيما يعشقون، حتى لو لم يُتقنوه في بداية الأمر، لأنهم فيما بعد سوف يتقنوه، أما مَنْ يزاول عملاً لا يميل إليه كثيراً، ولا ينسجم معه، فإن عطاءه، ونجاحه سيكون أقل من المتوقع منه، لأنه زاول مهنة لا يحبها، ولا يرغب فيها، ولكن قد تكون الظروف الاجتماعية حتَّمت عليه قبول ذلك العمل.
أما العناصر الأربعة، فهي عناصر قد تكون موضوعية نوعاً ما، أوردتها هنا ليستفيد منها شبابنا في بناء مستقبلهم العملي. وأول هذه العناصر هو: أنت تحب شيئاً ولكنك غير بارع فيه. قد أتفق معها في هذا العنصر لأنه ليس كل ما تحب تستطيع الإبداع فيه، فمثلاً أنت تحب أن تكون طياراً بسبب عشقك الطيران، ولكن ضوابط القبول قد لا تنطبق عليك، أو تتوافق معك، أو أن يكون لديك ميل واضح لأن تكون مذيعاً، أو معلِّقاً رياضياً، ولكن نبرات صوتك ضعيفة، وغير متوافقة مع معايير نجاح المذيعين، والمعلقين، وغيرهما من الأمثلة الكثيرة، وبالتالي هذا عنصر متفق عليه، أما ثاني العناصر فهو: أنت تحب شيئاً وبارع فيه، ولكن لا تحب الأمور التي معه. إن الحب والمهارة عادة لا يكفيان لإتقان الأمور كما ينبغي، فمثلاً موظف يعمل في مجال الدعاية والإعلان، ويتقن عمله، ولكن لديه الرغبة في القيام بعمل خاص به، ولكن بسبب عدم مقدرته على التعامل مع الزبائن، وعدم تمكنه من وضع «تسعيرات» مناسبة لعمله، وعدم قدرته على ضبط العملية الإدارية، نجده قد يخفق كثيراً في العمل في مجالٍ كان يحبه، ولكن لم يستطع أن يتقنه. وهنا أقول: الحب والمهارة في عمل ما قد لا يكفيان للنجاح فيه، فالواجب أن نوازن في عملنا، وأن نتعرف على إمكاناتنا وقدراتنا عند الانتقال إلى أي مجال آخر حتى نتجنب الفشل.
أما العنصر الثالث فهو: أنت تحب ما تعمل وماهر، ولكن تحبه أكثر من اللزوم. فمثلاً: رجل أعمال تجارته كلها في الأسهم فقط، وهذا العمل محبّب إليه لدرجة تغلب فيها العاطفة على العقل، ولا يقبل لأحد أن ينقده، أو يغيِّر مفهومه له. هذا الشخص قد يكون «متقوقعاً» على عمله، ولا يقبل التغيير فيه، ولا ينفتح على الآخرين من أجل إحداث التغيير والتطوير، وهذه الفئة من الناس موجودة بكثرة، وقد يُعرضون تجارتهم للخطر، لأن تنويع المجالات التجارية من الأساسيات التي تقود إلى النجاح والبقاء.
أما آخر العناصر فهو: لن يدفع لك أحد في الشيء الذي تحبه. وهذا العنصر يوضح أن محبتك للأشياء النابعة من مواهبك لن تجد لها مقابلاً من أي جهة، لأنها شأن خاص بك، إلا إذا كانت متوافقة مع ميول الجهة التي تعمل فيها، حينها قد تفيدك نوعاً ما. مثلاً: أنت تحب سباقات السيارات، أو الدراجات، وتريد أن تحضر هذه السباقات، لن تجد أحداً يدفع لك تكلفة حضورك السباق من أجل تحقيق مرادك، لأنك لن تفيد أحداً إلا نفسك بإشباع رغباتك فقط.
وتقول «كلارك» أيضاً في كتابها «أعد اكتشاف ذاتك»: «لا تحاول أن تكون شخصاً آخر، لأن ذلك لن يفيدك كثيراً، بل ينبغي لك أن تعرف ذاتك جيداً، وتدرك طبيعة المهارات التي تتقنها، ومن ثم عش حياتك وفقاً لذلك». وهذا ما يجب أن نعمل به، وهو عدم تقليد الآخرين في شخصياتهم، فنكون معدومي الوجود «فكن أنت أينما كنت»، واكتشافك ذاتك يدل على تميّزك، لأنَّ تعرّفك على ذاتك، وقدراتك، ومهارتك، يُسهِّل عليك أموراً كثيرة في حياتك، ويقودك إلى الإبداع في عملك سواء كان خاصاً، أو مرتبطاً بجهات أخرى.
خلاصة القول: إن موضوع اكتشاف الذات، والقدرات، والمهارات، من المواضيع المهمة، ويجب أن نهتم به، ونعززه في نفوسنا، ونفوس شبابنا، ويجب التركيز على الوصول إلى المعادلة التي تقول: إذا اجتمع الحب، والمهارة، والاستمتاع في العمل، فهذا هو مصدر القوة والنجاح لأيٍّ منا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٥٩) صفحة (٩) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٥)