هل قلت إنني بالكتابة أحيا؟ هل قلت إنها أخرجتني من جب السكوت عندما اتكأت على قلمي المكسور يتلمس بياض أوراقي على ضوء شمعة في ليالٍ حالكة الظلام وهو يجر خلفه يدي المشروخة، وقلبي المتعب تسعفه الحروف ليتنفس، ويتجاوز خطى الحنظلات لاحقا بحقل السنابل ليدركها قبل أن تنام.
هل قلت إني عشت فصام المعاني، واختلال وزنها وجنونها وعقلها وتناقضها وتضاربها؟ وأني دست حافية القدمين على جمر الحقائق، وأني واجهت عمليات وأد بنات أفكاري باختلاس الكتابة من خلف ثقب الباب، في هذا الزمان المنفتح، أكتب وأرسل أوراقي من نفق شحيح لايعرف سوى وجهي، كي أكون امرأة متحضرة تصغى إلى هجمات الريح وتنحني حتى يمر الدمع فوق ظهرها قزحا يلون سكون الضوء، حتى ينبعث السلام من وجع المعاني، ويفيض القرنفل من سهام الأحلام تلك التي جلست بقربها كثير من المبدعات على رصيف الحروف مثلي يحملن كيس أحلامهن متسولات يستجدين فرمانا يأذن لهن بكتابة أسمائهن على فقرة أدبية، أو لوحة فنية ينتظرن الموافقة على ظهور عورة أسمائهن إذا أرادت أن تطل من النوافذ قسرا، ورغما عمن يرون في ظهور أسمائهن جريمة شرف لا تغتفر، لمن يقصفون عمر الزهرة إذا ما استطالت أسماؤهن، ويقصون ريشات الكلام حتى لا يطير حرا في المدى، محكومات بمعول تجريف نون النسوة من الحقول ذلك الحرف الذي يجب أن يتوارى خلف منطق المنع، والانتظار حتى يجف على غصنه حتى يأذن الحاكم بأن يمر الكلام دون مقصلته، حتى يقتنع الرجل بجدوى تجليات الحروف وأن يطلق سراح المعنى ينفلت من شبكة صياد.
سأظل متلبسة بجريمة الكتابة ذاهبة إليها مع سبق الإصرار سائرة إلى وديانها متنشقة زهو الحروف، دون أن استأذن أحدا كي أتنفس، سأترك طوابير المنتظرات خلفي يفككن قيود حروفهن من سفود المنع على مهل، وينتظرن أذونات الصرف والعطف، سأظل مسافرة إلى بيتي الأول وولادتي الأولى وذنبي الكبير معلنة اعتراضي على الصمت ضاربة قدمي في عرض الصحراء، وصهيلي في كل المواسم، سأضع بصمتي المتعبة على ناصية الكلام سألقط كالعصفور حبات حياتي… وأكتب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٦٣) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٠-٠٥-٢٠١٥)