إن المخرج السريع لتفادي تداعيات تراجع أسعار النفط على البحرينيين هو في إيجاد صندوق مالي خليجي من شأنه تقديم الدعم اللازم للاقتصادات المتعثرة

يتزايد الحديث الرسمي، والأهلي في البحرين عن تداعيات تفاقم الدين العام على خلفية تحقيق العجز المتتالي في الموازنة العامة، حتى غطت تسريبات رفع الدعم عن بعض السلع الغذائية الرئيسية مثل: اللحوم الحمراء، والبيضاء، والمحروقات، على الوضع السياسي، الذي لايزال يعاني من التعقيد الشديد بما فيه الملف الحقوقي، الذي كاد «يتلحلح» إثر تصريحات رسمية قبيل انعقاد مؤتمر كامب ديفيد، إلا أنه عاد إلى المربع الأول، وتبخَّرت بعض التصريحات المتفائلة في هذا الصدد.
يبلغ الدين العام في الوقت الراهن قرابة 5.7 مليار دينار بحريني، أي أكثر من 15 مليار دولار، يشكِّل نصف الناتج المحلي الإجمالي البالغ نحو 30 مليار دولار. لكن الموازنة العامة الجديدة للعام الجاري، التي قدمتها الحكومة مؤخراً للمجلس النيابي، جاءت وفي جعبتها عجز مقداره 1.47 مليار دينار «3.88 مليار دولار»، وأكثر منه بقليل في موازنة العام المقبل «1.56 مليار دينار، ما يعادل أكثر من 4 مليارات دولار»، بينما تبلغ أقساط الدين، وخدمته، مليار دينار سنوياً «2.64 مليار دولار»، وهو ما يعادل أكثر من ضعفين ونصف الضعف للدعم الخليجي البالغ مليار دولار سنوياً، علما أن «المارشال الخليجي» لا يصل منه إلا 750 مليون دولار، تأتي على شكل تنفيذ مشاريع «حيوية»، تقوم بها بالتساوي كلٌّ من السعودية، والكويت، والإمارات. هذا يعني أن الدين العام سيصل مع نهاية العام الجاري إلى 18.8 مليار دولار، يشكِّل %62.6 من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني اقتحام الخط الأحمر، الذي وضعته السلطة التشريعية قبل أكثر من عام، وحذرت من وصول الدين إلى %60 من الناتج المحلي الإجمالي، علماً أن خدمة الدين العام ستصل إلى ما يوازي حجم الدعم الخليجي المعلن «مليار دولار» وأكثر بمعدل %25 عن الدعم الفعلي الذي يصل للبلاد.
لاشك أن انهيار أسعار النفط من متوسط 120 دولاراً للبرميل إلى أقل من 60 دولاراً، تسبّب في إحداث اضطرابات مالية لدى موازنات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، والبحرين وعمان بشكل خاص، لكونهما الدولتين الأقل إنتاجاً للنفط والغاز، ومستهماً رياح الربيع العربي في العام 2011، وحيث تعاني البحرين من تراكم العجز في الموازنة العامة، الذي قاد للاقتراض الداخلي والخارجي، ليصل الدين العام إلى هذه المستويات المقلقة. لكن الأخطر في الموضوع هو كيفية مواجهة تدحرج الدين العام، الذي يهدد بتراجع البحرين في التصنيف الائتماني، وبالتالي زيادة الفائدة على القروض الخارجية خصوصاً، ما يعني إضافة أعباء جديدة على المالية العامة للدولة من جهة، والبحث في رفع الدعم عن المحروقات والسلع الغذائية الرئيسية، أو جزء منها، من جهة ثانية. فقد طرحت في الآونة الأخيرة سيناريوهات عديدة لمسألة رفع الدعم عن اللحوم الحمراء، والبيضاء، التي لا تشكِّل نسبة مهمة من الموازنة العامة، لكنها تقدم مؤشراً على التوجهات المقبلة للدولة، التي تضع عينها على المحروقات، والطاقة الكهربائية، والماء، التي تشكِّل مجتمعة نسبة كبرى من الموازنة العامة للدولة.
المعروف الآن أن البحرين سوف تباشر رفع الدعم عن اللحوم الحمراء، والبيضاء، ابتداء من شهر أغسطس المقبل، وطرحت خطة لكيفية وصول الدعم إلى المواطنين، لكنها أثارت جدل البحرينيين حول الخلاصات العامة، ومدى تأثير هذه الخطوة على قطاع المطاعم، الذي لن يصل له الدعم، وكذلك العمالة الوافدة، التي تشكِّل في مجملها «عددها» أكثر من السكان المواطنين.
في المقلب الآخر، تبحث الدولة عن إيرادات جديدة لتعوِّض التراجع الكبير في عائدات النفط، التي بلغت النصف تقريباً، بينما سجلت موازنة العام 2015 مصروفات تتجاوز بقليل مصروفات موازنة السنة الفائتة 2014، وهو أمر يثير عديداً من التساؤلات حول طريقة تعاطي الدولة مع مصروفاتها، خصوصاً المتكررة منها، التي يصعب تقليصها حين ندرك أن البند الأول في الموازنة، المتمثل في الأجور والرواتب، هو جوهر المصروفات المتكررة، ويستحوذ على النسبة الكبرى منها، وقد تضخم في السنوات القليلة الماضية، وتحديداً في بعض الوزارات السيادية.
لا يبدو أن هناك حلولاً سحرية لمعالجة الدين العام البحريني، ومن الصعب الشروع في سياسة اقتصادية بعيدة عن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تتشابه الإيرادات، والإنتاج، والتصدير، وتستحوذ عائدات النفط على النسبة العظمى من عائدات الموازنة العامة «82% بالنسبة للبحرين بعد تدهور أسعار النفط حيث كانت تشكل 87% قبل انهيار الأسعار». ولأن البحرين الحلقة الأضعف في موضوع العائدات المالية، والأصغر من حيث حجم الاقتصاد بالنسبة لدول المجلس، فإن المخرج السريع لتفادي تداعيات تراجع أسعار النفط على البحرينيين هو في إيجاد صندوق مالي خليجي من شأنه تقديم الدعم اللازم للاقتصادات المتعثرة، أو تلك التي تواجه مصاعب جدية جراء انهيار أسعار النفط. هذه الحقنة الآنية، تحتاج إلى خطط استراتيجية على المستوى الخليجي لتنويع مصادر الدخل، التي تأخرت عقوداً من الزمن، ولم يستفد من عائدات النفط الأسطورية طوال العقود الماضية. فما هو مؤكد أن الدولة الريعية التي سارت عليها دول المجلس لم تعد صالحة لهذا الزمن، وحان الوقت لجراحات اقتصادية في مفاصل الاقتصاد، والسياسة في دول مجلس التعاون الخليجي. وحتى يحين ذلك الوقت سيبقى الجدل قائماً بينما ستفعل الأزمات المعيشية فعلتها في المجتمعات الخليجية، خصوصاً في الدول الأقل دخلاً، كما هو الحال مع البحرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٦٥) صفحة (١١) بتاريخ (٢٢-٠٥-٢٠١٥)