* في ساحة التعزية، تستقبلك لافتات تدعو لوقف حملات التحريض وبث الكراهية والتكفير التي لم تتوقف حتى بعد المجزرة، وذلك رحمة بالوطن والمواطنين

ليس هناك أكثر صدقا من دعوات أولياء الدم حين ينادون بوقف التحريض وبث الكراهية والتكفير من أي مصدر كان. فهؤلاء هم من اكتوى بنار فقد الأحبة الذين رحلوا بعد أن اقتنع أحدهم بقتلهم كي يذهب للحور العين ويتغدى مع النبي والصحابة، وفق ما أوهمه المحرضون الذين هم القتلة الحقيقيون.
في الطريق إلى قرية القديح بمحافظة القطيف، ثمة عبق التاريخ المختزن في جذوع النخيل الباسقات والبساتين التي لاتزال بقايا منها بعد أن امتد العمران ليقرض الشجر المحيط بالقرية الوادعة. كل الاستعدادات قد أنجزت، فنصبت خيام التعزية الكبيرة التي يستقبل فيها ذوو الشهداء المعزين، بينما صفت على جانبي الطريق مضائف تخفف على الزائر عناء سفرته ومسافات الطريق للذين قطعوها من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج. عندما سمعنا صدى التفجير الإجرامي، تسارعنا لترتيب القيام بواجب العزاء لأهلنا في القديح، فشقت سياراتنا الطريق إلى القطيف بمساعدة أحد الأصدقاء من أبناء صفوى الذي واكبنا طوال الوقت مع مجموعة من الأصدقاء الذين أبوا إلا أن يكونوا معنا طوال الرحلة حتى وجبة العشاء المتأخرة في بيت الكرم في الصفوني.
في ساحة التعزية، تستقبلك لافتات تدعو لوقف حملات التحريض وبث الكراهية والتكفير التي لم تتوقف حتى بعد المجزرة، وذلك رحمة بالوطن والمواطنين ولكي لا تمتد شرارات الحقد إلى أبعد مما وصلت إليه في الدالوة قبل أكثر من ستة أشهر لتصل قبل أيام إلى قرية القديح المفجوعة باثنين وعشرين نجما، فضلا عن عشرات الجرحى. وهذه الدعوات لا تأتي إلا من خلال اجتثاث جذور الإرهاب التكفيري والاقصائي الذي يجرى التنظير له من قبل بعضهم. وهنا تأتي أهمية الترجمة الفورية للتصريحات التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بعيد المجزرة التي أكد فيها على «أن كل مشارك ومتعاون أو متعاطف مع جريمة تفجير المسجد في القديح سيكون عرضة للمحاسبة والمحاكمة، وسينال عقابه الذي يستحقه (..) إن جهودنا لن تتوقف يوما عن محاربة الفكر الضال ومواجهة الإرهابيين والقضاء على بؤرهم». إن الترجمة الفورية لهذا التصريح المهم تتمثل في لجم الاندفاعة المحمومة التي تتبناها بعض وسائل الإعلام المعروفة في تأجيج الطائفية والمذهبية والإقصائية وصولا إلى تكفير الآخر. فبعض الوجوه غير قادرة على الاعتراف بأن الانفجار الإجرامي حدث في أحد بيوت الله أثناء صلاة الجمعة. وكيف يعترف بذلك وهو يكفر الآخر الذي يتفق معه في وحدانية الله والإيمان برسوله وبالقرآن واليوم الآخر، ويختلف معه فقط في هوامش الاجتهاد؟!
الترجمة الفورية لقول خادم الحرمين تعني أيضا مواجهة الفكر المتطرف بمزيد من الوعي والمعرفة وتحقيق العدالة ونبذ التمييز بكافة أشكاله. فالوطن أمانة في أعناق الجميع وفي مقدمتهم أصحاب القرار، ولايمكن الحفاظ على سلامته إلا عندما تصحو كل أطرافه وتتعافى. فهو كالجسد إن اشتكى منه عضو تداعت له باقي الأعضاء بالسهر والحمى.
هكذا نفهم ضرورة أن يسود السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي وأن يتفرغ الجميع للتنمية الإنسانية الشاملة التي يكون فيها الإنسان وسيلة وهدفاً في آن واحد من أجل تحقيق معدلات متقدمة من العدالة الاجتماعية الضرورية لتطوير أي مجتمع يريد دخول التاريخ ويسير على خطى التقدم والازدهار.
في القديح لنا أهل وأحبة وأصدقاء. وهي لا تختلف عن أي قرية بحرينية كانت تحتضن البحر وتسورها البساتين، وأهلها لايختلفون عن أهلنا هنا حيث يحفر التاريخ عميقا لمشتركات زادها الزمن تراصا ومحبة وانصهارا. واحسب أن أهل القديح كما أهل المملكة ومنطقة الخليج العربي، يحلمون بوحدة بلدانهم وباستقرارها وتنميتها كما ينبغي لعزة شعوبها ورفع شأنها.
أنهى أهل القديح مراسم العزاء، وعيونهم لا تزال شاخصة وأسئلتهم حائرة عن أسباب هذا الحقد الأعمى الذي سفك دماء أبنائهم وراح يهدد بمزيد من الإرهاب الأسود المدان. لكن العيون الشاخصة تلك يلمع في أعماقها الأمل الذي لايستطيع أن يطفئ نوره إرهابي أو محرض على قتل الحياة وسرقة الفرحة من الوجوه المتعبة لكنها المبتسمة حتى في أوقات الحزن المدمر والدم المسفوك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٧٢) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٥-٢٠١٥)