ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ هذا السؤال الذي يطرحه أحدنا على الآخر في محاولة لمعرفة ردة الفعل نحو موضوع أو مشكلة ما، وعن المرئيات الممكنة وآراء الآخرين في طريقة حلها، بينما تكون ردود الفعل جاذبة للاختلاف والتناقض، لأن الحكم على أبجديات الأمور من وجهات نظر مختلفة يمكن لأحدنا أن يقبلها كأوراق حياته ليضع إصبعه في النهاية على أقرب الحلول والمرئيات ويختار ما يرتاح إليه.
ومع أني أدرك تماما أن لكل إنسان حالته الخاصة التي لا يمكن أن تنطبق على الآخر، ولكني موقنة أن تبادل الآراء فيما يخص قضية ما سلاح ذو حدين، فقد يحصل الإنسان على ضالته المنشودة من سماع تعددية الحلول والتجارب بينما قد يقع في مأزق كشف مجريات حياته للآخرين وخروج القضية من مساحته إلى مساحات أخرى، ومتاهات جديدة قد تفاقم المشكلة، فلا أحد يمكن أن يكون مكاني أن يحس بمشاعري أن يتنفس نيابة عني، وأن يضع في قلبي تشابهه معي مع أفكاري مع جنبي الذي ارتاح في نومي عليه، أن يجلس في بؤبؤ عيني ليرى الحياة بطريقتي، لا أحد يمكن أن يكون أنا بألواني وفاكهتي المفضلة بلون قهوتي وارتجافات مشاعري بردة فعلي تجاه الأشياء بعنفواني بانهزامي بمكابرتي بكل متناقضاتي، ألقيها في البحر ليشهد أني إنسان يحمل بين جنباته كل تناقضات الحياة.
لا يمكن لأحد أن يكون أنا.. إلا أنا، ومهما كانت كل الحكايات منطقية ومدروسة إلا أنها يمكن ألا تنطبق علي ككل الملابس الجميلة التي يمكن أن تكون مناسبة لغيرى وفضفاضة على ذاكرتي.
وفي الحكمة القديمة خير مثل، فحينما سأل الثعلب جملا واقفا على الضفة الأخرى عن عمق ماء النهر، فأجابه الجمل إلى الركبة، وعندما قفز الثعلب فإذا بالماء يغطيه وهو يسعى جاهدا لأن يخرج رأسه من الماء، وما استطاع ذلك إلا عندما وقف على صخرة في النهر فصرخ في وجه الجمل قائلا: ألم تقل لي إن الماء يصل إلى الركبة؟ فرد الجمل نعم يصل إلى ركبتي.
يقول الشاعر محمود درويش
لو كُنْتُ غيري في الطريق، لكُنْتُ أَخفيتُ العواصفَ في الحقيبة كي تكون قصيدتي مائيّةً، شَفَّافَةً، بيضاءَ تجريديَّةً، وخفيفةً…!
أَقوى من الذكرى وأَضْعَفَ من حُبَيْبَات الندى، وَلَقُلْتُ: إنَّ هُوِيتي هذا المدى!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٨١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-٠٦-٢٠١٥)