هل المسرح لدينا غائب كضمير مستتر؟ أم مازال يحبو؟ وإذا كان كذلك ما الأسباب التي أدت إلى غيابه أو تغييبه، أو إصابته بالكساح؟ هل لأننا ننظر إلى المسرح على أنه فعل غير ثقافي؟ أو فعل يمارسه المترفون.. أمّا البسطاء من الناس فليس من الضرورة أن يتعاطوه لشيئين، إما لأن هذا الفعل الثقافي أكثر من استحقاقهم، أو أنهم يرون أن هناك أشياء في حياتهم أهم، في جميع الأحوال المسرح لدينا -مع الأسف الشديد- يعاني من معضلة وعلل، بدلالة أننا حتى الآن لم نتمكن من تقديم مسرح فاعل يؤثر في البنية الثقافية، مسرح يقدم رؤية واعية تليق بمستوى ثقافتنا التي تنامت في العقود الأخيرة، كما أن المسرح يعاني من مشكلات لا حصر لها أولها قلة توفر مسارح جيدة ذات مواصفات تليق بتقديم مسرحيات تخدم المجتمع، لترفع من نسبة الوعي، كذلك لعدم وجود أقسام متخصصة في الجامعات تقوم بتأهيل الممثلين المحترفين وكل ما يتعلق بنهضة المسرح من مؤلفين ومخرجين وفنيي إضاءة وصوت وغيرها.
عندما نتتبع مسيرة المسرح لدينا نلحظ أن هناك اجتهادات فردية أو شبه جمعية تحاول قدح زناد العمل المسرحي، وهذا العمل الاجتهادي لا يمكن تعميمه على الساحة الثقافية، لذا نحتاج إلى عمل منظم يقوم على التخطيط الجيد، فضلاً عن ضرورة مشاركة الجامعات ليس بأعمال مسرحية هزيلة، بل بتخصيص أقسام ضمن الكليات الأدبية أو الإعلامية، فالمسرح لا يقل شأناً وأهمية عن الإعلام، أو أي قسم أدبي آخر، وحين وُصِف بأنه «أبو الفنون» أو المقولة الشهيرة لشكسبير «أعطِني مسرحاً وخبزاً أعطِك شعباً عظيماً»، فإن ذلك يتوافق مع منطق الحياة، فالمسرح يؤثر في ثقافة جميع شرائح المجتمع، بل يُعتبر الكتاب المفتوح والمشوق والمؤثر.
نعيد طرح السؤال الجارح، كيف نتمكن من التغلب على غياب أو تغييب المسرح؟ هل هناك جهات أخرى غير الجامعة معنية بهذا الأمر؟ الإجابة نعم، فوزارة التعليم هي الأخرى أنشأت مئات المسارح ولم يُستفَد منها، لعدم وجود البنية التحتية لمسرح حقيقي، عدا اجتهادات من بعض معلمي اللغة العربية الهواة، حيث يقوم المعلم بالتأليف والإخراج وكل الأعمال الأخرى، لهذا نجد أن كثيراً من المدارس تعزف عن هذا الفعل الثقافي المهم، لعدة اعتبارات، أولها إدراك مديريها أن مدارسهم ستقدم مسرحيات هزيلة تكون مثار سخرية الحاضرين، والسبب واضح كم قلنا في سياق المقال..
أما وزارة الثقافة والإعلام فهي الأخرى تشارك في الفرجة، إذ إنها اكتفت بأعمال لا ترقى إلى عمل مسرحي إبداعي من فروع جمعيات الثقافة والفنون التي اقتنصت -في سنوات مضت- فعاليات مهرجان الجنادرية بتقديم عدد من الأعمال كي يكون لها الحضور فقط، إذن نحن إزاء مشكلة ثقافية تحتاج إلى تضافر الجهود من جميع الأطراف، مؤسسات تربوية وتعليمية، ومن المهتمين بالمسرح لما له من دور فاعل في تشكيل الوعي لدى جميع شرائح المجتمع.
هذا ما ينبغي أن يكون عليه المسرح باعتباره وسيلة إعلامية تثقيفية تنويرية، إلا أن المسرح ليس فقط على المستوى المحلي بل حتى العربي -مع الأسف الشديد- غلب عليه الطابع التجاري، فأصبح يعاني من هلامية الفكر المطروح، وتسطيح الثقافة، واجترار الأفكار المستهلكة، بشكل مقزز، والحصيلة قبض النقود عند نوافذ البيع، إذن المسرح فرض شيئين على المشاهد هما الضحك لحد البكاء والبكاء لحد الضحك، والخروج بلا شيء، بعضهم ينادي بضرورة إيجاد مسرح يتكئ على نص جيد، ومضمون هادف، يقدمه الممثلون باشتراك مع المشاهدين، النص لا بد أن يكون مشتركاً، إذ ليس من المعقول تغييب الجمهور الذي هو الأساس في نجاح المسرح، هل يُعقل أن تُعرض المسرحية دون جمهور؟! الأزمة في ندرة وجود نصوص مسرحية ذات أفكار جديدة، وسيناريو راقٍ، ولن يتأتى إلا بوعي كامل بأهداف المسرح، ورسالته الاجتماعية والثقافية والفكرية، مع اختزال التاريخ، وتحليل الحياة اليومية، بكل تناقضاتها أفراحاً وأتراحاً، سعادة وحزناً، آلاماً وآمالاً، المسرح هو فن التمثيل المتطور، وليس الكلام المنطوق فقط، بمعنى أن كل ما هو موجود على خشبة المسرح يستحيل إلى نبض ويصبح من شخوص المسرحية.
بقي سؤال أظنه ذا أهمية، هل يمكن الوصول إلى نصوص مسرحية بحيث تترك للمشاهد الاقتناع بالأجرة المدفوعة؟ من أجل حضور المسرحية والاستمتاع بها روحاً وفكراً. كل ذلك يدفع المؤلفين إلى ضرورة إعادة النظر في كثير من النصوص المسرحية التي تحول بعضها إلى قذى في عيون المشاهدين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٨٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٨-٠٦-٢٠١٥)