* تم تسليم مدينة الموصل من قِبل وحدات في الجيش العراقي إلى تنظيم «داعش» ولم تجرِ فيها مقاومة تذكر، وهذه مصيبة كبرى أن يتخلى الجيش عن القيام بمهامه الوطنية أمام بضعة آلاف، ليحتلوا الموصل ويدمروا آثارها

قالها أحد مقاتلي تنظيم «داعش» في العراق لزميله، بينما كان الأخير متَّكئاً على مسندٍ مرمي على الأرض، وهو يفرك أسنانه بمسواك، وصل توَّاً من مصدره. لم يُثر الزوج المفترض أي اهتمام بخبر موت الفتاة الأيزيدية، التي قضى معها وطراً يغتصبها، ويتبادل مع رفاقه النساء اللاتي تم اختطافهن حين تبلغ الشهوة أوجها رغبةً في اغتصاب «زوجة» صاحبه. فهذا سلوك درج عليه مقاتلو «داعش» للترفيه عن أنفسهم من عناء عمل يوم كامل في جز الرؤوس، وحرق الأجساد، والسطو على أموال الفقراء والمساكين، في واحدة من أبشع صور التاريخ توحشاً. لكن الداعشي الذي تلقى خبر موت فتاته ببرود وعدم اكتراث، كان قد اشترى الفتاة القاصر لتكون جارية لديه، تنفذ كل نزواته وشهواته وشذوذه. والأيزيدية التي ماتت قد تكون واحدة من كثيرات، دفع ثمنهن بعلب أخرى من السجائر غير الفاخرة. لم يهتم الداعشي ولم تنتفض فرائصه، كما يفعل البشر الأسوياء، بل قهقه كثيراً حتى انقلب على قفاه، فلديه كثيرٌ منهن بعد أن سيطر تنظيمه على الموصل، وما حولها، قبل عام من الآن، واستولى على نحو نصف مليار دولار أمريكي من مصارفها، عدا عن سرقته الممتلكات العامة والخاصة، وبذلك يكون قد حقق موازنة عامة للدولة الفتية، تحلم بها كثيرٌ من الدول المستقرة.
مصيبة الأيزيديين في العراق هي نفسها معضلة الأقليات الأخرى في هذا البلد المنكوب، وهي نفسها معضلة الأقليات والأغلبية في عديدٍ من الدول العربية، التي تعاني من تمزق على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وإثنية. فبعد أن كان التنوع مصدر قوة، وإلهام للإبداع والتقدم، تحوَّل اليوم إلى سبب رئيسي لتفتيت الدول، وتجزيء المجزَّأ. وليس هناك بلدٌ في الوطن العربي الكبير محصَّنٌ ضد هذا التوجه المدعوم من قِبل بعض القوى الإقليمية، التي تجد في الفوضى الخلاقة نصراً لها، وفي مقدمة هؤلاء الكيان الصهيوني، الذي ينتظر بفارغ الصبر إعلان جماعة من هؤلاء دولة مذهبية طائفية على بقعة في أحد مواطن الاحتراب، وتنصيب أميرٍ عليها، ليرتفع الصوت في تل أبيب مطالباً بالاعتراف بالكيان دولةً يهوديةً، لتبدأ عملية «الترانسفير» ضد فلسطينيي الـ 48.
مضى عام على احتلال تنظيم «داعش» مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، وإعلان دولة الخلافة فيها، بزعامة أبو بكر البغدادي، ولم يكن احتفاله بالسيطرة على مدينة سرت الليبية عبثاً، احتفالاً بالحول الأول في عمر الدولة، بل كان مقصوداً، وموجَّهاً بدقة، فقد اقترب من منابع النفط ليموِّل دولته، التي تتمدد رغم وجود تحالف من ستين دولة، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لم تتمكَّن من تحقيق هدفها المعلن في القضاء على «داعش»، أو تقليص قدراته على التمدد في الأراضي العربية خارج إطار العراق، والشام، فلم تعد الضربات الجوية الفاشلة أغلبها، وفق تصريحات أمريكية، قادرة على إقناع أحد بأن هناك جدية في مواجهة «داعش»، وتحجيمه.
ربما يكون تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بأن «فشل مواجهة «داعش» يعتبر فشلاً للعالم»، تكثيفاً لمأزقٍ مزدوجٍ الأول: فشل الجيش العراقي المنهك في مواجهة التنظيم، الذي يقرض مزيداً من الأراضي العراقية، خصوصاً في الأنبار بعد أن سيطر على مدينة الرمادي. والثاني: فشل المجتمع الدولي، الذي أقسم بأغلظ الأيمان بأنه على طريق تقويض «داعش»، وتحقيق النصر على هذا التنظيم الإرهابي الدخيل.
ربما يكون موضوع الأقليات هنا نوعاً من الترف أمام المخاطر الكبرى التي تتهدد العراق، وسوريا. فالأيزيديون، وبعد أن تخلى عنهم الجميع إثر تخلي الجيش العراقي عن القيام بمهامه الوطنية، وبعد بيع خمسة آلاف فتاة أيزيدية في سوق النخاسة، قرروا مغادرة بلادهم، التي كانوا من مؤسسيها مع الآخرين من المكونات الأخرى. لقد تم تسليم مدينة الموصل من قِبل وحدات في الجيش العراقي إلى تنظيم «داعش» ولم تجرِ فيها مقاومة تذكر، وهذه مصيبة كبرى أن يتخلى الجيش عن القيام بمهامه الوطنية أمام بضعة آلاف، ليحتلوا الموصل، ويدمروا آثارها، وكل ما يمتُّ بصلة للتعددية، ويفرض على أهلها نمطاً معيناً من الحياة، بينما تُخيَّر فئات أخرى بين دفع الجزية، أو مغادرة المدينة، أو الذبح من الوريد إلى الوريد، فيما عُلِّقت المشانق، وتم إحراق آخرين في صورة قلَّ نظيرها إزاء إدارة التوحش.
ينتظر الأيزيديون، والأقليات في عديد من البلدان العربية الإنصاف والعدالة الاجتماعية، وتأسيس دولة المواطنة المتساوية، التي تنبذ التمييز والتهميش، وتقرُّ بحق الجميع في الحياة الحرة الكريمة. وحتى تُحقِّق هذه الأقليات والأكثريات مرادها، ستظل متظاهرة في عواصم الشتات التي وصلت إليها تلك الفئات، كاشفة القيح المتراكم منذ عقود طويلة، فثمة كثير من القيح المذهبي، والطائفي، الذي سينفجر في وجوه الجميع ليعاد تركيب الصورة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٨٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٢-٠٦-٢٠١٥)