قرى الباحة ومدنها تتنامى بشكل سريع، هذا شيء طبيعي، مع التزايد السكاني، والتمدد العمراني، والجهود التي تقدمها حكومتنا الرشيدة، والاهتمام الكبير من أمير المنطقة.
إلا أننا نتساءل: هل هذا التنامي العمراني والحضاري جاء نتيجة تخطيط مدروس ورؤية مستقبلية؟ سؤال إلحاحي يضعنا أمام محكات ذات قيمة معرفية، وأهمية حضارية، وضرورة تخطيطية، لنأتي إلى مدن منطقة الباحة ونضعها على مشرحة النقد البناء، هل وجود المباني التي تقدم الخدمة للمواطنين جاء متناسقا ومؤطرا في مساحات قريبة من بعضها؟ الواقع يؤكد أن تلك المباني للمصالح الحكومية متناثرة مما يزيد من عناء ومشقة المستفيدين وهم المواطنون.
فبعضها متقارب في شارع واحد لم يراع فيه وجود المواقف كما هو الحال في شارع الملك فهد، وأخرى متباعدة! ولما عجلة التمدد العمراني أخذت مسارها، كان يفترض في وقت مضى أن تنتبه الجهات المعنية في هذا الشأن بتحديد مساحات لتلك الإدارات ولو على شكل حزم تراعى فيها المواقف والمداخل والمخارج… نصل إلى سؤال آخر: هل يمكن معالجة هذه المشكلة على الأقل بتوزيع منطقي، كأن تكون الإدارات الأمنية في موقع واحد والخدمية في مكان آخر وهكذا؟
يتماهى سؤال في ذات السياق: كيف يمكن معالجة مثل هذه الثغرات وغيرها؟ أظن أن وجود هيئة عليا لتطوير منطقة الباحة أضحى مطلبا ملحا، ويمكن أن تتفرع إلى وجود أقسام لتطوير السياحة وأخرى للخدمات وثالثة للصناعة والزراعة وهكذا.
والمقترح أن يكون أعضاء الهيئة العليا من القادرين على التخطيط برؤية مستقبلية، أما كيف؟ أظن أن من الضرورة بمكان وضع معايير دقيقة كأن يكون العضو لديه من الدراسات والأبحاث في المجال التخطيطي ما يؤهله لهذا العمل الوطني المهم، فضلا عن التخصص الأكاديمي.
في سنوات مضت قامت شركة متخصصة بدراسة تخطيطية لمنطقة الباحة وامتد زمن الدراسة لخمس عشرة سنة فقط، ومفترض أن تتابع الدراسات لأهميتها، وحتى يتم تلافي العشوائية، وقد نتج عن ذلك وجود ثغرات واضحة، فالتنامي العمراني يأتي وفقا لرغبات الأهالي، ولم يأت بناء على منظومة دراسات تخطيطية، فكانت العشوائية تضرب بأطنابها والشواهد لا تخطئها العين. وحتى نتمكن من التصحيح نقترح ما يلي:
أولا: تشكيل هيئة عليا لتطوير منطقة الباحة.
ثانياً: الاتفاق مع شركات متخصصة في مجال التخطيط العمراني والمدني والحضري للقيام بإعداد التقارير والدراسات والخرائط والصور الجوية للاستفادة منها في التشكيل المستقبلي لمدن الباحة.
ثالثاً: التنسيق بين المصالح الحكومية عند تنفيذ المشاريع، بحيث يكون العمل في وقت واحد كي لا يتسبب في هدر مالي.
رابعاً: لكون منطقة الباحة «سياحية» بحكم طبيعتها ومناخها المميزين لذا نحتاج إلى:
أ‌- الاستفادة من الدراسات المتعلقة بتطوير السياحة الداخلية.
ب – طرح الرؤى والاقتراحات التي تُسهم في تحسين وتطوير السياحة بالمنطقة.
ج- المشاركة مع الجهات ذات الاختصاص في تنظيم ندوات وملتقيات كبرى تُعنى بالتطوير السياحي.
إن أكثر ما يسبب هدرا للمال العام، وألما للنفس، حين تجد شركة تقوم بأعمالها وما إن تفرغ من هذا العمل لتأتي شركة أخرى لإدارة حكومية بتنفيذ مشروع آخر ليتم بعدها الحفر وترقيع الإسفلت، وهذه مشكلة تتكرر -مع الأسف الشديد- ليس في الباحة فحسب بل في كل مناطق المملكة ولم تستفذ الجهات المعنية من تجاربها الخاطئة، ولم تكلف نفسها عناء السؤال عن جهات جوّدت العمل بطريقة سلسة وسهلة (تجربة أرامكو) نموذجا، حيث إنها تُنجز كامل أعمال البنية التحتية بتوفير كل الخدمات من «كهرباء هاتف مياه» لتأتي فيما بعد التمديدات بكل مرونة ودون خسائر مضاعفة، أو تعطيل لمصالح الناس تحت حجة واهية (نأسف على إزعاجكم نحن نخدمكم).
لنعود إلى ذات السؤال الجوهري بتخطيط سليم ورؤية واعية وثاقبة للمستقبل يمكن أن يتحقق العمل المنظم والاقتصادي والحضاري، وهذا الذي تحتاجه جميع مدن منطقة الباحة وغيرها من مدن المملكة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٨٩) صفحة (١١) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٥)