لرمضان ألف شرفة روحانية تطل منها فضاءات الرحمة والمغفرة، وله قناديله التي تنتقي مواعيد المساء ليظهر نورها الخافت في الليالي السارية كحبيب اختار أن يأتي مرة في موعده كل عام، محملاً بالهدايا فينتظره المشتاقون لسفر القلب خلف وجدانيات التلاقي مع الطقوس الدينية ومباهج العبادة ذاهبين إلى حيث تسري السكينة في مساقي الروح ومراسي السفن المتعبة التي تنوح بصخبها إيذانا بالوصول عند الفجر.
ولقناديلي التي أسرجتها في خيول هذا الليل مواسم للدعاء تصافح أكفها أنات التعب، وأنا أنتظر من هذا النور الخافت أن يصنع معجزة تعيدني إلى شفافية دفء المشاعر والليالي المقمرة تلك التي نحتاج إليها في هذا الشهر كي نغسل مواسمنا الماضية ونمحي عثراتنا ونتجاوز خلافاتنا وإخفاقاتنا في أبجديات حلول الشفق وهو يرسم لوحة الله وعظمته البرتقالية جلية في عنان السماء عندها تحل فرحة الإفطار وتضج في المدى رشفات الرضا إيذانا بموعد صيام يوم آخر وقناديل أمل جديدة نحتاجها كي نكمل المشوار بما تبقى من انتظار وأمل.
وما بين قنديل أمي وقنديلي أعوام كثيرة أنجبت ألف قنديل منها ما وضعته لقلبي كي يتحمل مواجعه ويستعد لرحلة الغياب والانتظار المستحيلة ومنها ما أهديته لوطني الذي سقط من زجاج القطار إلى منافي المعابر مسافرا في سجنه الكبير ومنها ما حلمت به لوطني الإسلامي والعربي الكبير الذي ينتظر بصيص ضوء على ناصية حلم أزرق وجناح حياة يقطفها من لحم واقعه الصاخب في انتظار انبلاج الصبح من رحم حداد الليل على ويلاته المزمنة، أو لرجفة خوف على وطن أعيش فيه بعد أن توسدني ومنحني تذكرة أمان كي أعرف أنني كائن يستحق الحياة.
وزعت قناديلي على ليلك يا رمضان كي ينبت النور في بلادي كي يعيد الأمل إلى الصدور بعام قادم يحل مثل الربيع تورق فيه حكايات الضوء من نوافذنا العربية المحملة بالأمل وزعت قناديلك يا رمضان لعل دعوات الصغار تضج في هذا الكون وترسم من نعناع أناملهم خضرة لرمضاننا القادم نغرسها على عتبات حلم نحن منه على قاب دعاءين أو أكثر أو استجابتين لا أكثر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٩١) صفحة (١٥) بتاريخ (١٧-٠٦-٢٠١٥)