أسدل الستار على الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت في السابع من شهر يونيو الجاري بانتهاء سيطرة حزب العدالة والتنمية على البرلمان والحكومة التي دامت ثلاثة عشر عاما، وبدأت التكهنات حول مستقبل تركيا ومصير أحلام إعادة مجد السلطنة العثمانية لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي بنى له قصرا جديدا «لأن الصراصير كانت مصدر إزعاج في القصر القديم»، وفق رجالات الحكومة وأردوغان نفسه، وكان لابد من تغييره إلى قصر يحوي 1150 غرفة تذكر بقصور الباب العالي و«بصبصة الحرملك» من النوافذ العليا المطلة على القاعة الرئيسية التي تتوسط القصر. وكانت كلفة القصر مثار جدل خصوصا أن مساحته تزيد ثلاثين مرة عن مساحة البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن، كما أنه أكبر من مساحة قصر فرساي في فرنسا. ففي الوقت الذي تم الإعلان الرسمي بأن كلفة القصر الجديد هي 600 مليون دولار أو تزيد قليلا، شككت صحيفة «سوزجو» التركية في ما أعلنته الحكومة وقالت إن الكلفة هي 5 مليارات دولار، وتحدثت عن معلومات مسربة تفيد بأن عدد غرف القصر قد يزيد على 2000 غرفة وأن عدد المصاعد فيه يصل إلى 63 مصعدا، وقيمة الكأس الواحدة تبلغ 445 دولار لأنها مطلية بماء الذهب. يضاف إلى ذلك سربت نفس الصحيفة خبرا يفيد بأن أردوغان جهز له طائرة رئاسية بكلفة 185مليون دولار وهي من طراز إير باص إيه 330-200.
أثارت هذه المعلومات شبهات كثيرة بأن ثمة فسادا استشرى في بناء القصر الجديد كما أثيرت تساؤلات عن حقيقة الكلفة الإجمالية لبناء القصر الذي تم افتتاحه نهاية نوفمبر الماضي رغم عدم اكتماله، ما أسقط ورقة مهمة في أيدي الأحزاب المعارضة المتأهبة للانقضاض على الحزب الحاكم، خصوصا بعد أحداث ميدان تقسيم قبل نحو ثلاث سنوات، فنفخت في موضوع فساد القصر لتعرج على قضايا أخرى تواجه بها أردوغان وحزبه قبيل الانتخابات. وقد نجحت المعارضة، نسبيا ورغم عدم توحدها، في إقصاء حزب العدالة من الحصول على أغلبية المقاعد البرلمانية التي كانت قيادته تتوقع الحصول على 55 % من إجمالي المقاعد، إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمال أردوغان أولا والحزب ثانيا عندما حصد حزب العدالة والتنمية 41 % فقط رغم أنه لايزال أكبر الأحزاب في تركيا.
ربما أراد الناخب التركي تذكير حزب العدالة بأنه لم يعد كما كان في العام 2002، حينما كانت الحياة السياسية التركية تعاني من فساد نخبها وأحزابها، فجاء حزب التنمية محصنا ببلدوزر نجاحاته على مستوى الانتخابات البلدية خصوصا بلدية إسطنبول التي حصدت الجوائز على مستوى العالم بفضل قيادة حزب العدالة والتنمية لها، وببرنامجه الاجتماعي الذي زاد من نسبة الطبقة الوسطى لتسهم في استقرار المجتمع. كما أن النقلة الاقتصادية الكبرى التي أحدثها الحزب الحاكم أثرت تأثيرا كبيرا على حياة المواطن الذي قفز متوسط دخله السنوي بنسب كبيرة قدرها وزير المالية التركي في العام 2013 محمد شيمشك بثلاثة أضعاف ما كان يحصل عليه في 2003، موضحا «أن نصيب الفرد من الدخل القومي ارتفع من ثلاثة آلاف و500 دولار عام 2002 إلى 10 آلاف و500 دولار عام 2012، مشيرًا إلى أن معدل النمو الحقيقي في الفترة ما بين عامي 1923 – 2002؛ أي منذ تأسيس الجمهورية وحتى صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، بلغ 4.5%، فيما ارتفعت هذه النسبة إلى 5.1 % فيما بين عامي 2003 – 2013، بينما تفيد إحصاءات نشرها البرنامج الاقتصادي التركي عن عام 2013 بأن متوسط دخل الفرد في تركيا العام 2012 قد ارتفع إلى 17 ألفاً و468 دولاراً، بينما قال رئيس اتحاد البورصة والغرف التجارية، رفعت حصار جيكلي أغلو، في نوفمبر 2014، إن تركيا تسعى للوصول إلى 25 ألف دولار»، وأن صادرات تركيا قد زادت من 3 مليارات دولار قبل ثلاثين عاما لتصل في الوقت الراهن إلى 160 مليار دولار، حسب قوله أيضا.
لكن، هذه الأرقام تشكل جزءا من الصورة، بينما تشكل الديون الخارجية صورة أخرى، حيث زاد إجمالي الدين الخارجي نهاية العام الماضي 2014 ليصل إلى 402.4 مليار دولار من 396.8 مليار دولار في العام 2013، وألقى نائب رئيس الوزراء التركي علي باباجان باللائمة «على تقلبات الأسواق العالمية والتطورات الجيوسياسية وسوء الأحوال الجوية التي كبحت معدل النمو في تركيا عام 2014»، وفق تعبيره.
إذن، فقد استثمرت المعارضة التركية الثغرات الكبيرة التي يعاني منها حزب العدالة والتنمية لتدخل إلى البرلمان بقوة أكبر من ذي قبل، خصوصا عندما اشتغلت على قضايا الفساد الكبيرة التي هزت صورة الحزب الحاكم ولجمت ولو مؤقتا طموحات التحول إلى النظام الرئاسي الذي يسعى الرئيس الحالي لفرضه، مستندا على أنصاره في قيادة الحزب. لكن قيادات أخرى من طراز أرينتش، الذي أمضى كعضو بالبرلمان الحد الأقصى المتمثل في ثلاث مدد، قال في مقابلة تليفزيونية «إن حزب العدالة والتنمية لم يحقق إلا التنمية دون العدالة، وذلك بعد أكثر من 10 سنوات من وجوده في السلطة (..) أنشأنا قصورا جميلة جدا، لكن علينا أن نعمل جاهدين لزيادة الثقة في العدالة والقضاء»، يقصد بذلك «قصور العدالة» أو المحاكم الجديدة التي أقامها أردوغان في سنوات حكم حزب العدالة والتنمية. ويبدو أن الخلاف الداخلي في حزب العدالة ليس على مستوى النواب، بل إن القيادة العليا من طراز الرئيس التركي السابق عبدالله غل حذرت من التحول إلى النظام الرئاسي الكامل. وقال إن «تركيا تحتاج نظاما برلمانيا أفضل لا مؤسسة رئاسية أقوى»، وهو بذلك يخالف الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يسعى لتغيير الدستور لمنح رئيس الدولة سلطات تنفيذية، ما شكل إرباكا للتوجه الرسمي للحزب الحاكم.
لاشك أن بناء القصر السلطاني للرئيس أردوغان قد جاء في وقت حرج بالنسبة للاقتصاد التركي الذي بدأ يواجه مصاعب بعد أن تخلت أنقرة عن شعارها المعروف: «صفر مشكلات مع الجيران»، وذهبت بعيدا في الأزمات الإقليمية خصوصا في العراق وسوريا، ما ينذر بإقدام الحزب الحاكم على خطوة تكتيكية قد تزيد من التجاذبات السياسية هناك، وتتمثل في دعوة الرئيس لانتخابات جديدة يأمل منها تنفيذ طموحاته السلطانية وإعادة الاعتبار للقصر الجديد المثير للجدل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٩٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٩-٠٦-٢٠١٥)