تبقى الحوادث التاريخية، التي وقعت في شهر رمضان، لها تأثيرها الكبير على مجرى التاريخ، ولها ذكرى خاصة لدى المسلمين لأهميتها وتغييرها مجرى الأحداث السياسية آنذاك. أغلب الوقائع التاريخية التي حدثت في شهر رمضان كان لها بُعد ديني وسياسي كبير، حيث كان شهر رمضان يُمثل الدافع الأكبر للمسلمين في انتصاراتهم على أعدائهم، وأغلب المعارك الإسلامية التي حدثت في شهر رمضان كانت الغلبة والنصرة فيها للمسلمين.
من أوائل الأحداث الإسلامية التي حدثت في شهر رمضان: غزوة بدر، وهي أولى غزوات المسلمين ضد «الشرك، والوثنية»، وكانت في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقد انتصر المسلمون فيها نصراً مؤزَّراً على مشركي مكة، حيث قدِموا بعتادهم، وعدتهم، وقوتهم، وكان عددهم يفوق المسلمين بثلاثة أضعاف، إلا أن الله كان مع رسوله، والمسلمين، كما جاء ذلك في سورة الأنفال.
بعدها، وفي السنة الثامنة من الهجرة، كان الفتح الأعظم «فتح مكة» في العشر الأواخر من شهر رمضان، بعد أن تهيَّأت الظروف للنبي، عليه أفضل الصلاة والتسليم، في أن يسير إلى مكة بعد أن نقضت قريش بعضاً من بنود صلح الحديبية بمساعدتها قبيلة «بنو بكر» الموالية لها ضد قبيلة خزاعة الموالية للمسلمين، حيث سار الرسول في عشرة آلاف مقاتل متكتِّماً على الخبر لا أحد يعرف أين وجهته، حتى أبو بكر، رضي الله عنه، لم يعلم عن وجهة الرسول، عليه الصلاة والسلام، إلا في منتصف الطريق، وقال له «اكتم الخبر»، وقد دعا الرسول ربه بأن يصرف أنظار المشركين عن تحركه، فاستجاب الله له، ولم تعلم قريش بتحرك النبي، عليه الصلاة والسلام، إلا عندما وصل إلى حدود مكة، فقسَّم جيشه إلى أربعة أقسام، ودخل مكة دون قتال، واتجه إلى الكعبة، ودخلها، وحطم الأصنام، وأعفى عن بقية مشركي مكة، وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء. وقد ضرب النبي، عليه الصلاة والسلام، أروع الأمثلة في التسامح عند المقدرة، وكانت نتيجة ذلك أن دخل جميعهم الإسلام، وأصبحوا قوة ضاربة في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد.
ومن المعارك الخالدة في التاريخ أيضاً: معركة فتح عمورية، وحدثت سنة 223 هـ، عندما همَّ الخليفة العباسي المعتصم بالانتقام للمسلمين، الذين تعرضوا للقتل، والسبي، والتعذيب، وانتهاك الأعراض، من قِبل ملك الروم «تيوفيل بن ميخائيل» في «زبطرة»، حيث سأل المعتصم: أي بلاد الروم أمنع، وأحصن؟ فقالوا له هي «عمورية»، إنها بلاد محصَّنة، وعزيزة على الروم، ولم يسبق لأحد من المسلمين أن غزاها، فقال: إذاً هي هدفنا. فقسَّم جيشه إلى عدة أقسام، كان على أحدها قائده المشهور «الأفشين» حيدر بن كاوس، الذي تمكَّن من القضاء على «بابك الخرمي»، فتوجه جيش المعتصم إلى عمورية على الرغم من تحذيرات المنجمين له، إلا أنه لم يستمع إلى رأيهم، ولم يأخذ به، فسار حتى وصل إلى أسوار عمورية، وكان ذلك في «النصف من شعبان»، وبعد حصار دام ثلاثة أسابيع ونيف، تمكَّن المعتصم من دك عمورية، ودخولها، و»سبيها» في السادس من شهر رمضان المبارك، وعاد إلى سامراء في نهاية شهر شوال، وبهذا العمل أرسل رسالة واضحة إلى الروم بأن يخضعوا له، ولا يعتدوا على بلاد المسلمين مرة أخرى، وقد خلَّد الشاعر أبو تمام ذلك في مدحه للمعتصم بقصيدة عظيمة مطلعها:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
ومن المعارك، التي خلَّدها التاريخ، وكانت حاسمة في رد أعداء الإسلام، وإيقاف تمددهم في العالم الإسلامي، المعركة الشهيرة «معركة عين جالوت»، التي حدثت في مكان يسمى عين جالوت بفلسطين، وكانت في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة 658 هـ، وكان بطل هذه المعركة هو السلطان المملوكي سيف الدين قطز، الذي تحدى كل الصعاب في تلك الفترة، وقتل رُسل القائد كتبغا الثلاثة، الذين قدِموا إليه في القاهرة يعرضون عليه الاستسلام، رافعاً بذلك راية التحدي ضد التتار، الذين احتلوا بلاد الشام بأكملها بعد أن اجتاحوا بغداد سنة 656 هـ، وعاثوا فيها فساداً، وعندما قرر السلطان قطز خوض المعركة أرادها أن تكون على حدود الشام، فسار بجيشه إليهم، وفي طريقه إلى عين جالوت مرَّ بعكا، آخر معاقل الصليبيين، وحذرهم من مغبة الخيانة والغدر، وأقسم بالله إن غدروا به سيرجع إليهم، ويستبيح بلادهم قبل ملاقاة التتار، فأذعنوا إليه، وخافوا منه، فلم يحدث منهم أي غدر، فوصل السلطان قطز إلى عين جالوت، ورتب جيشه، وكان جيش التتار بقيادة كتبغا، لأن هولاكو، غادر إلى دياره بعد أن احتل الشام، حيث سأل السلطان الأيوبي الناصر، سلطان حلب: مَنْ بقي أمامنا من المسلمين؟ فهوَّن عليه أمر المماليك، وقال إنهم ثلة من مماليكنا في مصر دون قائد، أو حاكم، فعاد إلى بلاده، وأخذ معه السلطان الأيوبي وابنه، وتذكر المصادر التاريخية أنه بعد سماعه نبأ هزيمة جيشه أمام المماليك التفت إلى السلطان الأيوبي، وقال له: لماذا خدعتني؟ فردَّ عليه: أتريدني أن أتركك تهدم الإسلام والمسلمين. فقتله شر قتلة، وهذه حسنة من حسنات ذلك السلطان، وشجاعة منه بأن تمكَّن من إقناع الملك هولاكو بضعف المماليك. أما سير المعركة فكان في البداية لصالح التتار إلا أن السلطان قطز نزل من على فرسه، وتمرغ في التراب، وصاح بأعلى صوته: الله أكبر، فاندفع المماليك اندفاعاً قوياً، وعصفوا بجيش التتار، وتمكَّنوا من هزيمتهم شر هزيمة، وقتل قائدهم كتبغا، وهرب جزء منهم إلى الجبال، فتبعهم القائد الظاهر بيبرس، الذي كان له دور كبير في تلك المعركة، وتمكَّن المماليك بهذا النصر الكبير من إيقاف المد المغولي إلى مصر، وكفى الله المسلمين شرهم.
هذه أبرز الشواهد التي حدثت في شهر رمضان المبارك، وكان تأثيرها كبيراً على مجريات التاريخ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٩٤) صفحة (٩) بتاريخ (٢٠-٠٦-٢٠١٥)