جاسم العبود

جاسم العبود

طرقت مسامعي عديد من المقولات بعضها محفزة وأخرى مثبطة، ومنها مقولة أكل الدهر عليها وشرب (أقرب طريق لقلب الرجل معدته)، في حقبة من الدهر جرت العادة أن تعمل الأم جاهدة لتسليح ابنتها المقبلة على الزواج بمهارات الطبخ والنفخ لتدخل بيت الزوجية وفي يديها سلاح فتاك يقف أمامه الزوج مكتوف اليدين ويرفع راية الاستسلام أمام زوجته ومعدته.
لكل جيل مفاهيم وقيم ومعتقدات ورغبات تحدد هويته وتميزه عن الآخر، وأيضا لكل جيل عمر زمني ليأتي جيل آخر يتبنى مفاهيم وقيماً ومعتقدات ورغبات تختلف عن الجيل الذي سبقه، وهذا بالضبط ما حدث لهذه المقولة (أقصر طريق لقلب الرجل معدته)، امتدت نظرة الأجيال السابقة من الآباء لهذه المقولة وتداولوها في مجالسهم وأحاديثهم، ورغم أنها منسوجة في التركيبة الاجتماعية إلا أن الجيل الحالي بثقافته ووعيه استطاع معالجة هذا المفهوم الخاطئ ونجح في اقتلاعه من جذوره المغروسة في التركيبة الاجتماعية ليأتي أباطرة الإعلانات وأسياده بثقافة الدرهم والدينار رامين خلف ظهورهم كل القيم الاجتماعية وجهود مثقفيها فأشبعوا هذه النبتة – أقصر طريق لقلب الرجل معدته – ماء مالحاً أجاجاً ليحيوها ويحيوا معها مفاهيم مغلوطة وثقافة خاطئة.
عرض أحد المراكز التجارية جانباً من مبيعاته احتوى على رفوف امتلأت وفاضت بأكياس الأرز، ومن باب لفت انتباه الزوجات وكصرخة جديدة في فنون الدعاية والإعلان وضع لوحة إعلانية مثيرة للجدل إلى حد ما ومستفزة تضمنت المقولة (أقرب طريق لقلب الرجل) وبما أننا في عصر التقنية والثورة المعلوماتية أصبح العالم مكشوفا ببلدانه ومدنه وشوارعه، ولا مجال لإخفاء لوحة إعلانية فوق كومة من أكياس الأرز داخل مركز تجاري، ومن ثم انتشرت تلك الصورة عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، البعض يراها دعوة من أصحاب النفوس الضعيفة لعودة الأسطوانة القديمة لسلخ المرأة من القيم الاجتماعية، وصب صنوف المعاناة والتعذيب النفسي عليها، ورغبة لإرجاع صورة المرأة في العصور الغابرة حينما كانت تقبع في منزلها ولا تحسن سوى الاعتناء بأطفالها والطبخ والنفخ، ومفتاحها الوحيد لقلب الرجل هو كيس من الأرز، متغافلين أن الزوج في هذا الجيل مع زحمة الحياة أزاح المعدة عن طريق قلبه، ولم تعد فنون الأكل والطبخات الشرقية والغربية تساعد على إشباع رغباته.
المرأة أعلم وأدرى وأكبر من أن تقاد خلف كيس من الأرز، وما هذا الإعلان إلا إجحاف في حق المرأة التي شاركت الرجل في التعمير والتعبير وأثبتت دورها الحيوي الفاعل في المستوى الأسري والاجتماعي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٩٤) صفحة (٨) بتاريخ (٢٠-٠٦-٢٠١٥)