* أصبحت الجالية الهندية هي الأعلى نسبة في دول الخليج، حيث بلغ تعدادها أكثر من 5.5 مليون، ويشكلون في بعض بلدان المنطقة النسبة العظمى من إجمالي عدد السكان؟

كلما سالت مزيد من الدماء في منطقتنا العربية، كلما ارتفعت جدران العزلة بين أطراف المجتمع المتصارعة وبدت أشكال جديد من أزمة الثقة بينها لم تكن موجودة بهذه الحدة في العقود التي سبقت العقد الأول من الألفية الثالثة. فالدم المسفوك في شوارع عديد من العواصم العربية ومدنها وبلداتها الصغيرة، ليس إلا نتاج فشل واضح لعملية التنمية المستدامة التي تتحدث عنها الأمم المتحدة ومنظماتها وتضع لتطويرها خططاً وبرامج ومؤشرات وأدوات قياس تتلمس من خلالها بواطن الصواب والخطأ. وهذه الأدوات لا توجد في غالبية البلدان العربية، بل إن جلها لم يجرِّب معايير النجاح والفشل في إدارته للدولة، حتى جاءت الطامة فاكتشف الجميع أن الدولة ليست سوى كيان تآكل بفعل الهويات الفرعية المدمرة على حساب الهوية الوطنية والقومية الجامعة. فالدولة التي لا تستطيع حماية أبنائها وتوفير شروط العيش الكريم لهم هي ليست بدولة، فما بالك إذا مارست التمييز الممنهج وصبَّت الزيت على نار الفتنة وتحوَّل المشهد إلى احتراب تتفنن فيه العصابات في كيفية الوصول إلى أقصى درجات البشاعة في القتل وإثارة الرعب وتثبيته سيكولوجية يمكن أن تولد كثيراً من ردات الفعل المجتمعية بكل تنوعاتها ودرجاتها بما فيها التبول اللا إرادي.
بعد 11 سبتمبر، تاريخ «غزوة نيويورك» التي أطلق عليها هذا الاسم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، رفع الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش شعاره الشهير «من ليس معنا فهو ضدنا»، وبدأ في تطبيق هذا المبدأ في أفغانستان، عرين القاعدة المتحالفة مع حركة طالبان، ثم امتدت للعراق وأسقطت نظام صدام حسين بعد أن جمعت الإدارة الأمريكية ذرائع «من عرا وبرا» لا يمكن تصنيفها إلا في خانة الأسباب التافهة للغزو، وقد تأكد عدم صحة العناصر التي جمعتها الإدارة الأمريكية لإسقاط نظام صدام، حيث لم تجد أثراً لأسلحة الدمار الشامل. وقتها قال حاكم ليبيا المقتول معمر القذافي قولته المعروفة: سيأتيكم الدور واحداً واحداً، يقصد الزعماء العرب فهو لا يعتبر نفسه حاكماً ولا رئيساً بل قائداً لثورة الفاتح. وقد جاء الدور على بعضهم لأسباب شتى، ووصل إلى ليبيا التي تعاني من حالة تفتيت يمكن أن تقدم كنموذج لتجزئة المغرب العربي بعد أن وجدنا نماذج في العراق وسوريا واليمن والسودان إلى حد ما.
لكن، وفي أمكنة أخرى، بدت التنمية المستدامة ممكنة التحقيق عندما تصالحت المكونات مع ذواتها وقررت البناء رغم الصعوبات الجمة التي تواجهها والتركات الثقيلة لمراحل وحقب سابقة. والهند مثالاً يمكن أن يضرب بإمكانية إحداث النقلة التاريخية. لقد كان هذا البلد يصدِّر العمالة الرخيصة لمختلف دول العالم بما فيها دول الخليج العربي التي كانت للتوِّ تؤسس بنيتها التحتية الحديثة إبان الطفرة النفطية الأولى منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكان الهنود وقتها يقبلون بالوظائف المتدنية التي لا يقبل عليها أبناء المنطقة، حتى أصبحت الجالية الهندية هي الأعلى نسبة في كل دول الخليج حتى الآن، حيث بلغ تعدادها أكثر من 5.5 مليون، وهم يشكلون في بعض بلدان المنطقة النسبة العظمى من إجمالي عدد السكان، وفي الخليج ثروات ضخمة لرجال الأعمال الهنود تبلغ 50 مليار دولار تعود إلى 50 رجل أعمال من الهنود في المنطقة، وتعكس هذه الثروات تغير الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الهند وبدء التوجه لأن تكون الهند فعلاً «أمة من العباقرة» وهو عنوان كتاب سلسلة عالم المعرفة وقد كتبت تحقيقاته أنجيلا سايني، وجاء على غلافه الخارجي أن «الهند أمة من العباقرة والكادحين والمهرة. فنحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان في المملكة المتحدة من أصل هندي، وواحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراة في العلوم أو الهندسة في الولايات المتحدة آسيوي، بل إن هناك من ادعى مع مطلع الألفية الجديدة أن ثلث المهندسين العاملين في منطقة وادي السيلكون هم من أصل هندي، كما يدير الهنود 750 شركة من الشركات التقنية هناك». الهند التي نجلب عمالتها متدنية التعليم فتتدرب في الخليج حتى يشتد عودها وتؤسس لها حالة خاصة أو تهاجر إلى الغرب.. هذه الهند هي التي يتعطش أبناؤها للعلم، وهي التي آمنت حكومتها بالعلوم والتكنولوجيا رغم تدينها الشديد.
تبدو الهند اليوم في حال أخرى بعد أن قررت نخبها السياسية والاقتصادية والمالية تقزيم دور الهويات الفرعية القاتلة والتفرغ لبناء الهند في عصر التكتلات الكبرى والثورة المعلوماتية بعد عقود من اهتزازات السلم الأهلي وعدم الاستقرار الاجتماعي وانغماسها في حروب ولدت منها بنغلاديش مطلع السبعينيات وكشمير التي لا تزال تشكِّل نزيفاً مع الجارة باكستان. لكن ورغم ذلك تمكنت من دخول التحدي والظفر بنتائج واضحة وجلية خصوصاً في قبول الآخر المختلف أيدولوجياً وسياسياً.. وحتى ثقافياً.
هل يمكن للبلدان العربية الغارقة أغلبها في حمامات دم واحترابات وعودة للهويات التجزيئية الفرعية، الاستفادة من تجربة الهند في التنمية المستدامة؟.
نعاني اليوم من أزمة ثقة مع الآخر، وتشكل جدار العزل في ظل الفتنة الحاصلة وفي ضوء المحاصصات الفئوية التي تأكل الأخضر واليابس في بلداننا، وتحول التنوع الذي ينبغي أن يكون عنصر قوة وقيمة مضافة، إلى عنصر تفتيتي تتمترس حوله كل قبيلة وكل عشيرة وكل طائفة، ويتم خلق المرجعيات الفرعية فتضيع الهوية الجامعة ليعم الخراب الكبير. وهذا وضع يحتاج تقويمه إلى شجعان قادرين على التسامح والتسامي على الجراح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٠٠) صفحة (١١) بتاريخ (٢٦-٠٦-٢٠١٥)