الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية وليس هناك اعتراض على ذلك ولكن يكون ذلك بالرد والأخذ والعطاء بحدود أدبيات الحوار ومنهجه القويم

يشكل شهر رمضان موسم رواج للدراما الرمضانية سواء كانت المحلية أو الخليجية وحتى العربية بل تجاوز الأمر إلى نطاق أوسع وصل إلى الأعمال الفنية لبعض البلدان الأخرى مثل التركية وغيرها، وبغض النظر عن سر تخصيص هذا الشهر لهذه الأعمال من الناحية الفنية والتسويقية لأن ذلك ليس هدف هذا المقال، إلا أن القضية هي في واقع الأمر تأثير وانعكاس هذه الدراما على واقعنا الأسرى والاجتماعي بل والشرعي والوطني.
نتذكر سوياً ظاهرة تشكلت سريعا في أول أيام رمضان بعد عرض الحلقات الأولى من مسلسل «سيلفي» الدرامي على إحدى القنوات الفضائية حيث يغلب على هذا العمل الهوية السعودية من حيث فريق العمل والممثلين والقناة العارضة له، وقد تطرقت الحلقات الأولى من المسلسل لقضايا اجتماعية ومنها ظاهرة تنظيم داعش وانزلاق الشباب إلى هذا الفكر وتضمن سيناريو الحلقات مشاهد تمثيلية افتراضية، القضية هنا ليست المعالجة الدرامية أو العمل بذاته بل هي محاولة الفهم إلى أي مدى يلعب الإعلام دورا في التشويش على الحالة الوطنية وهذه الحلقات خير مثال لذلك حيث فتح نقاشا واسعا وحالة من الانفعال وردود الأفعال وصلت إلى الاستفزاز والتهديد والتكفير والاحتقان بين من يؤيد طرح مثل هذه الحلقات وبين من يقف ضدها بوصفها عملا مستهترا ومسيئا للمجتمع والدين.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا نحن هكذا في تعاطينا مع الأحداث؟ برغم الانفتاح الفكري الكبير الذي طرأ على المجتمع في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع التغيير والتطور الذي تشهده المملكة، إلا أننا نشعر بأننا لم نتغير في تقبل النقد سواء كان ذلك عبر المقالات أو المشاهد التليفزيونية التي تبث من خلال بعض القنوات هذا جانب، الجانب الآخر وهو من يملك الحق في التهجم والتكفير والتهديد على الآخرين، هذه الأسئلة تحتاج منا إلى إجابات شافية ومقنعة.
المجتمع السعودي مر بحالة احتراب فكري قبل عقد ونيف مع بدء العمليات الإرهابية التي حدثت عام 1424هـ وأصبح هناك جدل واسع بين رموز التيارات الفكرية ومحاولة تصنيفات تلك التيارات حسب كل ما يراه الفريق الآخر، وبعد السيطرة وتجفيف منابع الإرهاب خفت حدة ذلك الاحتراب والاصطفاف الممنهج من قبل أناس كانت لهم أهداف يريدون الوصول لها من خلال ذلك الاحتراب فتجده يخفت فترة ثم يظهر من جديد حسب المعطيات والمؤثرات التي تطغى على المشهد الفكري، ولكن ما تابعناه وقرأناه في تغريدات كثيرين في «تويتر» في الأيام الماضية تدل على أن هناك مشكلة أزلية في عدم قبول النقد بأي شكل، وهذا يعود من وجهة نظري إلى تقوقع كثيرين في دائرة تفكيرهم فقط دون المحاولة للخروج من تلك الدائرة الضيقة إلى فضاء أوسع وأرحب، ومن يقترب من حدود تلك الدائرة بالنقد يصبون عليه جام غضبهم بشتى أنواع التهجم اللا مقبول، والأدهى من ذلك التابعون لأولئك الناس وما يطلق عليهم «بالأتباع» هؤلاء هم المشكلة التي تحتاج منا إلى وقفة وهم الذين يتأثرون بشكل كبير وأحسب أنهم محكومون بعواطفهم التي قد تؤثر فيهم دون أن يتفكروا أو يتبصروا أو يتدبروا كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، ولكن لو راجعنا أنفسنا قليلاً لوجدنا أن الموضوع لا يتعدى كونه عملا تليفزيونيا لم يستغرق دقائق لو ترك دون ضجة أو نقد معاكس لما شاهدنا هذا التوتر الذي حصل بين بعض الفئات، حيث تم إشهار ذلك العمل مجانا وتحقق له ما خطط له.
لا يختلف اثنان أن وسائط التواصل الاجتماعي احدثت تغيراً كبيراً في جميع مجتمعات العالم ومنها نحن، ولكن علينا أن نحرص ونتنبه من كثير من الحسابات الوهمية خاصة ما يكتب أو ما يوضع من «وسم» في مثل هذه المواضيع لأن تلك الحسابات وهمية تكونت بأسماء مستعارة تعمل ضد المملكة وتحاول أن تستغل كل صغيرة وكبيرة في تزويد الناس بأخبار غير صحيحة وجعل بعض العوام يصدقها وينشرها وهذا العمل قد يؤثر على وحدتنا الوطنية وعلى تماسكنا وترابطنا، وأنه يجب تفويت الفرصة عليهم في تحقيق مرادهم بتمرير ما يردونه في محاولة تفتيت لحمتنا الوطنية.
الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية وليس هناك اعتراض على ذلك ولكن يكون ذلك بالرد والأخذ والعطاء بحدود أدبيات الحوار ومنهجه القويم، ولا يكون بالإقصاء ونسف أفكار الآخرين وإن لم تكن معي فأنت ضدي، فتحسين لغة الحوار بيننا أصبح أمرا ملحا وأن يكون النقد من أجل النقد لا من أجل تصفيات حسابات قديمة.
ختاما نعلم جميعاً أن وطننا يمر بفترة حرب مع أعدائنا الصفويين والحوثيين على الحد الجنوبي من المملكة، وهناك كثير من جنودنا البواسل مرابطين هناك لحماية بلادنا ومقدساتنا، لذلك يجب أن نكون جميعا بمختلف المشارب الفكرية والمذهبية مترابطين ومتحابين فيما بيننا، فلماذا إذاً هذا الاحتراب والإقصاء؟ ومحاولة إعادتنا إلى الوراء من خلال المنازعات والمواجهات الفكرية التي لا تؤخر ولا تقدم وإنما قد تؤثر في المشهد السياسي والفكري بأشياء سلبية ليست في صالح الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٠١) صفحة (٩) بتاريخ (٢٧-٠٦-٢٠١٥)