اطّلعت على شدّة (وثيقة) موقّعة باسم شيخ ونواب وأعيان قبيلة بني زيد برجال ألمع، ومحتوى الوثيقة اتفاق الأهالي على اختصار في التكاليف المادية عند عقد الزواج (المِلكة)، بحيث لا يتجاوز عدد الوفد المرافق للعريس عن خمسة أشخاص، وتُقام المناسبة مختصرة في منزل والد العروس، بحيث لا تزيد وجبة العشاء عن ذبيحتين فقط، ومن يتجاوز ذلك، يعتبر مخالفاً لما اتفق عليه أفراد القبيلة، وتشمل الزيجة سواء كانت داخل القبيلة أو خارجها، وهذا في ظني اتفاق محمود، ينم عن ارتفاع في درجة الوعي، لدى المنادين بعدم الإسراف والتبذير في مثل هذه المناسبة لعدة اعتبارات أولاً: ديننا يحثنا على عدم التبذير لأنهم – بوصف القرآن الكريم – إخوان للشياطين، وهذا الوصف ينطبق على كل من يخالف التوجيه الرباني بصرف النظر عن تغليف ذلك بحجة الكرم.
ثانياً: إن كثيرا من العادات والتقاليد المتعلقة بالزواج تمثل في نظر كثيرين قيودا يصعب الانفكاك عنها ومنها، ولو وُزعت استبانة لاستكشاف وسبر آراء الناس، لوجدنا رغبة كثيرين في فك هذه القيود، إلا أننا – مع الأسف – مأسورون لهذه القيود رغم عدم قناعة كثيرين بها، بل رفضها تماماً.
ثالثاً: سواء في مناسبة المِلكة أو الزواج فإن التخفيف على والد العريس أو العروس مطلب مهم، حيث إن الشاب المقبل على الزواج يكون في مقتبل العمر، يود العيش بعيدا عن منغصات الديون، التي حتما ستؤثر سلباً على حياتهما المعيشية، في الوقت الذي ينبغي أن تكون حياتهما – أي العريس وعروسه – هادئة تظللها غيمة الود والاستقرار.
رابعاً: تبرز بعض الجهود الموفقة والمباركة من بعض المبادرين، إلا أنها سرعان ما تصطدم بصخرة العادات، ومن ثم تتبخر وتتلاشى بسبب ضغوط أصحاب الميول المعارضة، حيث إن حججهم الواهية عيب، وشرهة، وعبارات واهية كأن يقول: «اش نقول للناس»؟
وكانت فكرة الزواج الجماعي، فكرة رائدة، وقد نجحت في كثير من المناطق ووجدت صدى جيداً ودعماً مباركاً، ألا أن نجاحها لم يستمر كما يحدث في بعض قرى منطقة الباحة، رغم أن الهدف منه تخفيف الأعباء المادية، وتقليص تكاليف الزواج، انسجاما مع ما أقره وحث عليه ديننا الإسلامي، ولم يتمكن العارفون من تجاوز جسور الفشل، وحائط الإخفاق، ولربما هناك أسباب نذكر منها:
١- محاكاة وتقليد عادات فرضتها ظروف حياتية سابقة وهي بلا شك خاطئة.
٢- تقليد الميسورين من الناس، بل إن بعض المحتاجين يبالغون في الضيافة بما يزيد عمّا يقدمه الأثرياء، وكل ذلك على حساب مجاراة الآخرين، وتكون النتيجة بطبيعة الحال، الغرق في الديون.
٣- القرار لم يعد قراراً رجاليا صرفا، بل إن النساء هن اللواتي يدرن البوصلة بحسب رغباتهن.
أحد كبار السن يقول : كنا في الماضي نطبق الزواج الجماعي، فأصحاب المناسبة يقتسمون «المقام» ويقصد بذلك الرأس من الأبقار أو الثيران، الذي سيكون وليمة للعشاء، بمعدل الربع لكل زيجة، ويحدث الزواج في أجواء مفعمة بالفرح والخير والبركة.
وهذا دليل على أنهم أكثر وعياً، وأصوب قراراً، وأرجح عقلا.
وفي هذه المقالة لا أود أن أذكر بعض المشاهد السلبية التي حدثت وتحدث حاليا، فأحدهم ذبح ما يزيد عن مائة رأس من الأغنام واعتذر لضيوفه بأن هذا أقل من واجبهم.
أي ابتذال وسخف هذا! إلى جانب كونه إسرافا واضحا وإهدارا غير مرغوب فيه، أيضا يدل على فكر مغلوط، بل هو شك بعيد تماما عن عين الحكمة.
ولمّا كانت «شدة» قبيلة بني زيد برجال ألمع، تنادي بعدم الإسراف وهذا دليل على الوعي المجتمعي، والقدرة على كبح جماح الإسراف، فإننا بالفعل نحتاج إلى كسر الأقفال الحديدية لبعض التقاليد المضرة، وأظن أن القفل الحقيقي مغروس في الرؤوس ومعشعش في الأفكار التي لم تتمكن من تجاوز هذا المفهوم، بدلالة التعقيبات الرافضة – لبنود الوثيقة – التي جاءت في أعقاب خبر نشر هذا الاتفاق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٠٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-٠٦-٢٠١٥)