كأنما هو قدر أبناء مجلس التعاون الخليجي القيام بين فترة قصيرة وأخرى بواجب تقديم العزاء لأسر الشهداء الذين يقضون بسبب تفجيرات إرهابية مدانة ومرفوضة ومنبوذة من قبل كل الأديان السماوية والمواثيق والمعاهدات الدولية. نقف مع أهلنا في الكويت في مصابهم الجلل، مثلما وقفنا إلى جانب أهالي شهداء الدالوة والقديح والعنود في المملكة العربية السعودية. هو أقل الواجب الذي ينبغي القيام به تجاه من فقد عزيزًا بسبب الإرهاب التكفيري الذي يضرب اليوم في مختلف المناطق، لا يفرق بين مسلم وغير مسلم، بين هذا المذهب أو ذاك. فقد تزامنت جريمة داعش في الكويت التي سقط فيها 28 مواطنا أثناء الصلاة بمسجد الإمام الصادق بمنطقة الصوابر، مع عمليتين إرهابيتين لنفس التنظيم وفي نفس اليوم في كل من تونس التي قتل فيها عدداً موازياً لما سقط في الكويت، وفي فرنسا عندما قرر أحدهم فصل رأس رئيس مصنع للغاز عن جسده وتعليقها على باب المصنع مقدما أبشع صورة يمكن فهمها عن الإسلام في العالم.
جاءت عملية مسجد الإمام الصادق بعد أسابيع قليلة من عملية إرهابية مشابهة في مسجد العنود بالدمام وقبلها في مسجد القديح بالقطيف وحسينية الدالوة بالأحساء. لكن منفذ «غزوة الكويت» سلك طريقا آخر، فقد انطلق من السعودية ليستريح في البحرين بضع ساعات، ربما لترتيب العملية من جوانبها المعلوماتية التي تتطلب التمويه الكبير، ليتوجه صوب الكويت ويفجر نفسه بين المصلين، وكأنه آلة تم تحريكها «بالريموت كونترول»، محدثا اختراقاً أمنياً جديداً في المنظومة الأمنية الخليجية المعروفة بمتابعتها اللصيقة لكل شاردة وواردة بما فيها ما يجري من دردشات على وسائل التواصل الاجتماعي.
في المعلومات التي رشحت وأعلنت عنها الجهات الرسمية يوم الثلاثاء الماضي، تمكن الأمن الكويتي من الإيقاع بخلية تتكون من طالب وصديقه وضابطين في وزارة الداخلية، أحدهما برتبة ملازم والآخر برتبة نقيب، عثر بحوزتهم على «ترسانة أسلحة»، بالإضافة إلى خرائط لمناطق في الكويت وشعارات داعشية وجدت لدى الضابطين. يضاف لذلك تسريبات كشفت عن إلقاء القبض على تسعين شخصا مشتبها بهم، منهم كويتيون وخليجيون ومن فئة «البدون»، بينما تفيد المعلومات أن المتهمين الخمسة الرئيسيين في عملية التفجير الأخيرة قد وقعوا في قبضة رجال الأمن، في حين تم الكشف عن تحويلات مالية من الخارج تلقاها المتهمون الرئيسيون لتنفيذ تفجيرات في الكويت. في هذه الأثناء أفصح نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الكويتي الشيخ محمد الخالد في جلسة مجلس الأمة يوم الثلاثاء الماضي، أن «الإجراءات الأمنية قد أجبرت الإرهابيين على إلغاء عمليتين لهم قبل تفجير الصوابر»، مضيفا «نحن في حالة حرب ولا يهمني أن هناك شابا عمره 23 سنة يتنقل من الرياض إلى البحرين ومن البحرين إلى الكويت في أقل من 12 ساعة حتى يفجر نفسه.. نحن نريد من يديره وهم الذين نتجه إليهم ونستهدفهم». ولبلسمة جراح وآلام ذوي شهداء مسجد الصادق، وضعت الحكومة ضحايا التفجير على قائمة شهداء الكويت، وسارعت الخطا لإصدار مزيد من التشريعات «الأمنية» التي وجدت ضرورة لإصدارها من مجلس الأمة لمواجهة الوضع الأمني الجديد.
معطيات تؤكد أن «داعش» تمكن من إحداث اختراقات أمنية خطيرة من خلال قدرته على تنظيم عناصر أمنية في صفوفه وتحقيقه قدرات كبيرة على الحركة دون أن يسقط في شبكة المطاردة الأمنية المعلن عنها، ما يضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة الاستراتيجية الأمنية المعتمدة في مواجهة هذا التطور الخطير إزاء قدرة الإرهاب على الإفلات من عديد من الحواجز الأمنية المتعددة الأشكال والأدوات. وهو ما يضعنا اليوم في منطقة الخليج العربي أمام مفصل أمني -سياسي – حقوقي حول الطريقة التي يجري التعاطي بها مع تنظيم عابر للدول ويمتلك من المعلومات والخبرات المخابراتية ما يعزز قدرته على الضرب في الأمكنة التي يخصصها مسرحا لجرائمه، بل ويضع الخطط البديلة بشكل سريع إذا وقع أحد عناصره في قبضة رجال الأمن.
إن دول الخليج العربي التي تحتضن مدنها وقراها أكبر عدد من الجنسيات بسبب وجود العمالة الوافدة التي تشكل أغلبية بالنسبة لعدد السكان في هذه المنطقة الاستراتيجية، تتعرض اليوم لامتحانات قاسية في صلب وجودها الأمني والمجتمعي وبالتالي في سلمها الأهلي واستقرارها الاجتماعي. وقد تكونت هذه الحالة على مدار عقود من الزمن، خصوصا بعد الطفرتين النفطيتين منتصف ونهاية عقد سبعينيات القرن الماضي، لكن لم يجر الالتفات كما ينبغي لتبعات السياسات العمالية في دول المجلس، ولم ترسم استراتيجيات حقيقية قابلة للتطبيق بالتحول من الاعتماد على العمالة الرخيصة إلى العمالة المتمتعة بفائض القيمة فتحولت بلداننا إلى أحياء من مختلف أنحاء الدنيا وغابت الأحياء المحلية أمام غابة الطفرات العقارية التي لم تتوقف حتى في عز انهيار أسعار النفط لتشكل «حضارة إسمنتية» غير قادرة على مواجهة متطلبات التطورات الحاصلة في العالم، ولم تمس إلا القشور والشكل دون المساس بجوهر الوضع الذي يتطلب تنمية من نوع آخر.
بعد سلسلة التفجيرات الداعشية، تبدو دولنا في موقف الدفاع بعد أن فعلت الفتنة الطائفية والمذهبية فعلتها بفعل فاعل وتمكنت من إحداث الشرخ المجتمعي وإصابته في مقتل، الأمر الذي يضعنا أمام خيارات صعبة لكنها ضرورية ولا مناص من الولوج في تفاصيلها بسرعة وإن قفز الشيطان بين ثناياها. وأولى هذه الخيارات إعادة النظر في السياسة العامة التي تمارسها النظم السياسية الخليجية تجاه الداخل والعمل على وقف التحريض بكافة أشكاله بدءا من مناهج التعليم الابتدائي وانتهاء بخطب المساجد والجوامع ودور العبادة، مرورا بالإعلام الذي يمارس أغلبه أدوارا سلبية في هذا الحقل حتى بدت مجتمعاتنا منقسمة على نفسها بشكل خطير. والوحدة الوطنية هي الطريق التالي الذي ينبغي تأسيسه على قاعدة دولة المواطنة المتساوية التي يطبق فيها القانون على الجميع دون استثناء، فليس هناك كبير وصغير أمام القانون الذي يتوجب من مواده أن تكرس مبدأ الأمن للجميع.
نعرف أن هناك مستفيدين داخلياً وخارجياً وطوابير خامسة شتى، عشعشت في منطقة حيوية واستراتيجية، من إبقاء الأمور متوترة والأعصاب مشدودة، إلا أن العودة للداخل والحوار معه يبقى هو الطريق الأصوب.. ولذلك شروط معروفة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٠٧) صفحة (١١) بتاريخ (٠٣-٠٧-٢٠١٥)