* إن الرسول كان يعي ويدرك خطورة القبائل اليهودية في يثرب ولذلك أراد تحييد القبائل اليهودية التي عُرفت بغدرها للعهود والمواثيق من حربه ضد قريش..

كان مجتمع يثرب قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسله إليها مكوناً من قبيلتي الأوس والخزرج اللتين اتحدتا في نصرة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم وعدة قبائل يهودية هم: بنو النضير وبنو القينقاع وبنو قريظة، وعندما وصل الرسول إلى يثرب كان أول عمل سياسي قام به إصدار وثيقة عرفت بـ«وثيقة المدينة» بينت الحقوق والواجبات على من في يثرب خاصة على القبائل اليهودية وتم الاتفاق عليها من الجميع، لأن الرسول كان يعي ويدرك خطورة القبائل اليهودية في يثرب ولذلك أراد تحييد القبائل اليهودية التي عُرفت بغدرها للعهود والمواثيق من حربه ضد قريش، وكذلك ترتيب وتنظيم دولته الناشئة في كل مجال وأهمها المجال العسكري لمواجهة ألد أعدائه قريش.
كان عمر الرسول عند قدومه إلى يثرب ثلاثا وخمسين سنة، مكث مدة عشر سنوات فقط كانت كافية لبناء دولة إسلامية عظيمة، وبعد أن رتب الرسول أموره بدأ في محاصرة قريش تجارياً لأنه كان يُدرك أن شريان أهل مكة هو التجارة حيث شارك عليه الصلاة والسلام في ذلك عندما ذهب مع عمه أبي طالب وهو صغير السن في تجارة إلى الشام، وكذلك توليه تجارة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بالذهاب بها إلى الشام والمتاجرة بأموالها هناك، لذلك فقد خطط الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم على خلق أزمة تجارية لقريش من خلال عدة جوانب أهمها: بث السرايا في كل جهة خاصة على الطريق الشامي الذي يمر بالقرب من يثرب، وكذلك الطريق الذي يؤدي إلى العراق، الأمر الذي أقلق قريش في اختلال الأمن في طريقها التجاري الذي كانت تتمتع به في الفترة السابقة الذي أشار إليه قول الله تعالى في سورة قريش «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» فبدأت علامات القلق تظهر عليهم وبدأ الخوف يزداد وينتشر بينهم بسبب تعرض قوافلهم التجارية للخطر.
في السنة الثانية من هجرة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم جاءته أنباء عن قدوم قافلة تجارية من الشام متجهة إلى مكة بقيادة أبو سفيان وفيها جُل تجارة أهل مكة، فجهز الرسول أصحابه لاعتراض القافلة وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فتوجه الرسول وأصحابه لاعتراض القافلة إلا أن أبو سفيان أتته الأخبار عن طريق العيون التي بثها بأن هناك تحركات لاعتراض القافلة فأرسل «ضمضم بن عمرو الغفاري» يستنجد بأهل مكة بأن يسرعوا وينقذوا القافلة فوصل إلى مكة وأخبرهم وهو يقول «اللطيمة اللطيمة» فنهضت قريش بعدتها وعتادها تريد إنقاذ السفينة، وفي هذه الأثناء تمكن أبو سفيان من تغيير طريق القافلة عن طريق الساحل وبالفعل تمكن من إنقاذ القافلة من الهجوم وأرسل إلى قومه وهم بالجحفة يخبرهم بسلامة القافلة ويأمرهم بالرجوع إلا أن أبا جهل رفض ذلك وأصر على الذهاب إلى «بدر» وملاقاة المسلمين هناك، عندما علم الرسول بتحرك قريش بفرسانها ورجالها بدأ يستعد للمواجهة التي تُعد الأولى لأصحابه، فسار بهم نحو «بدر» وهو مكان يبعد عن يثرب حوالي «180» كيلو مترا وهذا المكان يُقام فيه سوق كبيرة بين القبائل، فبث الرسول العيون في كل مكان لرصد تحركات قريش وبالفعل تمكن عليه الصلاة والسلام أن يتعرف على عددهم عندما سأل أحد الرعاة عنهم وكم يذبحون من الجزور فأخبره ما بين التسعة والعشرة فقال عليه الصلاة السلام إنهم ما بين التسعمائة والألف، وكان عدد المسلمون حوالي «317» مقاتلا أغلبهم من المهاجرين ومن الأنصار، وعندما وصل الرسول عند ماء بدر عسكر هناك فأتاه الصحابي الجليل «الحباب بن المنذر» وقال للرسول أهذا منزل أنزلك الله إياه أم إنها الحرب والمكيدة، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام بل الحرب والمكيدة فقال نتقدم حتى نجعل ماء بدر من خلفنا و«نغور» الآبار أي نخربها ونردمها فنشرب ولا يشربون، فوافق الرسول على رأيه وبالفعل قدمت قريش بجيشها كما وصف الله ذلك في سورة الأنفال إذ قال «إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد وليقضي الله أمراً كان مفعولا…».
ففي مثل هذا اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة الموافق 13 مارس 624م وقعت هذه الغزوة الكبرى التي تسمى أيضا «يوم الفرقان»، فكان النصر حليفاً للمسلمين وقد صور الله سير المعركة في سورة الأنفال ومناصرته لعبده والمؤمنين حيث أنزل الله الملائكة نصرة للرسول وتمكن المسلمون من الانتصار يوم بدر وقتل حوالي سبعين من قريش ولم يفقد المسلمون سوى أربعة عشر شهيداً.
ومن فوائد هذا النصر أن ارتفعت معنويات المسلمين وقويت شوكتهم أمام القبائل الأخرى، وغنموا غنائم كثيرة من تلك المعركة، وكانت بداية النهاية حيث لم يمض سوى ست سنوات من هذه المعركة حتى تمكن الرسول على القضاء على الوثنية تماماً بدخوله مكة في السنة الثامنة كما سنوضحه في المقال المقبل إن شاء الله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٠٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٥)