«الدغبوس» يتنحى بمحض إرادته عن السيد «البيك»، من شاهد الحشد الشبابي عند افتتاح فرع «البيك» في مدينة بريدة في ليالي رمضان المبارك يدرك أن الأكلات الشعبية لم يعد لها الهوى لدى شريحة واسعة من الشباب، لا أدري عن الأسباب هل لتغير واضح في الجينات بسبب أنواع الحليب الذي تشرّب به ومنه أطفالنا؟ إذ لم يعد لحليب الأم دور مؤثر، بسبب انقطاع كثير من الأمهات عن الرضاعة الطبيعية، أم أن هناك أسباباً أخرى؟ لنستقص المبررات التي شكّلت هذه الثقافة الاستهلاكية لربما الحروف لها علاقة مباشرة، فحروف البيك تتشابه مع البيه الباشا، بينما حروف الدغبوس تتشابه مع دغاس ودباس، وهنا اختلاف واضح في الشكل والمعنى، اختلاف بين الحروف الأرستقراطية، والحروف الشعبية، سؤال يطرح نفسه بالعرض لمَ تحظ بعض الأكلات الدخيلة بإقبال كبير فيما تتوارى أكلاتنا الشعبية؟ هل لأننا عاجزون عن تطويرها بما يتناسب والذائقة الشبابية؟
هل لأن الاستيراد لكل شيء أصبح سمة واضحة في كل شيء؟ ليس فقط في الجوانب المادية بل حتى الجوانب الثقافية! هل هذا نوع من التغريب؟ هل ما يحدث انعطافة لنهر معرفي ليسير وفق هوى الغير، وننتظر بالبركة أن يغير مجراه الطبيعي؟
هل يمكن أن تكون أزمة معرفة كما يقول الدكتور أحمد بلال لا تتوقف عند اختيار نوع الأكل؟ بل تتجاوز هذه المفهوم إلى جانب أكثر عمقاً حيث تتعلق بنوع المعرفة. العرب استعاروا نظريات وفلسفات التقدم الحديث لذا انعكس علينا في عدم تمكننا من تقديم إنجاز صناعي، في الوقت الذي ينتقل العالم المتقدم إلى طور جديد من التنظيم، وهو طور الثورة المعلوماتية، التي يطلق عليها «الموجة الثالثة» وبذا تستطيع أن تصنع الواقع من عقلها وفكرها، نحن وسط حلبة واسعة، وسباق محتدم وغير متكافئ، فنحن لم نستطع أن ننتج معرفة، أما لماذا فلأن هناك أسباباً عديدة أولها افتقار البلدان العربية إلى بيئة تحتية منظمة ومتناغمة ومتطورة لإنتاج المعرفة، فالجامعات تُلقّن، ومراكز البحث شحيحة، والتعليم يسير في مسار يجهض الإبداع، ويعيق روح البحث، ولا يستثمر الملكة المعرفية. سؤال مهم يأتي في السياق كيف ومتى تنهض البلدان العربية، ونحن ننساق بهذا الأسلوب؟ لو دققّنا في كل الموجودات التي حولنا ملابس، أجهزة، مبان، وسائل نقل، حتى الوجبات لوجدنا أننا نأتي في ذيل القائمة، لم نتمكّن من تقديم شيء يذكر للبشرية، اختراعات تكون في مصاف اختراع الكهرباء لأديسون، نجيد الاستهلاك، وهذا لا غبار عليه وبدرجة إتقان عالية، بصرف النظر عما تم مشاهدته من ازدحام محموم أمام أبواب البيك أو غيره من الأكلات التي ملأت الأسواق حدث ولا حرج..
سؤال يراودني هل نفدت وجبات البيك في مدينة بريدة؟ وما المحطة القادمة لمثل تلك الحشود الشبابية؟
ننتظر -فقط- الوقت، فهو قادم لا محالة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٦-٠٧-٢٠١٥)