سيظل في قلوبنا أمل لا ينطفئ، وعد، ونور من الله يشع في نفوسنا، يقيناً بعدالته ورحمته. سيظل في آخر نفقنا العربي «بصيص من الضوء» يوقظنا من غيبوبة زمن نتمنى ألا تتفاقم رداءته، أن تتغير حبكته الدرامية، ألا ينهار كجبل ثلج أمام عيوننا، ألا تغيب قيمه، ومعانيه خلف هذا اللغط. ستظل مآذننا تلهج بالدعاء بأن ينزاح هذا الكابوس عن أحلامنا نحن المسلمين، وأن يلد هذا الليل جنيناً مكتمل النضج، والحواس، كموعد حياة ينتظره مريض يئسَ، ثم استفاق بالأمل.
فما تبقى لنا يسمح بأن نتقاسم كسرات الخبز مع الجياع، وقطرات الضوء مع الغائبين وراء العتم، بشمعة أمل واحدة، تطفئ الخوف في عيون الصغار، وتصنع فارق الغد لجيل قادم، رأى بأم عينه ما هو أقسى من ويلات الاستعمار، والتهجير، بلمسة أخوة يمكن أن ترقع ثوبنا العربي، وتستر عوراتنا.
ما تبقى يكفينا للعودة إلى أول السطر، والبحث عن الخلل، عن نظرة الحزن العميقة التي تسكننا ونحن ننقِّب في خريطتنا عن موطئ قدم واحدة استثنتها المؤامرات.
كان الفارق في أن غصة القلب كانت تشهق بالحزن على القدس كلما تحرك النصل في القلب. كان الوطن على مرمى حجر، وكنا نتلوَّى على وسائدنا قبل أن ننام، والآن تكاثرت الغصات، ففي الشام غصة، وفي اليمن، وليبيا، والعراق.
بقيت العناوين بلاشوارع، ولا حارات، رحلت الوجوه في انتظار هطول الرحمة، وانفراج الغمة، لاستفاقة النفس اللوامة، التي أقسم بها الله كرادع للإنسان عن فعل المعاصي، والتجبر، تلك التي تعيدنا إلى قبضة العدل كي نفكر بذنب جيل كامل من الأطفال المشردين، والجائعين على منعطفات مدننا العربية، التي اسودَّ ياسمينها عن دموع الكهول، ووجع السبايا اللاتي أعادهن التاريخ إلى سنوات الجهل والتخلف، لشباب يقف بلاحيلة. فماذا تبقى سوى الأمل؟
سوى لوحة يرسمها جيل واع، نحن مسؤولون أمام الله عن إعادته إلى جادة الصواب، عن حماية سياجنا، وملحنا، وجرحنا، وقهوتنا، ومواعيدنا من غدر الغادرين.
يقول الشاعر محمود درويش:
هنا، عند مُنْحَدَرات التلال
أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ
وما يفعل العاطلون عن العمل
نُرَبِّي الأملْ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-٠٧-٢٠١٥)