* للعيد حلاوته وذكرياته التي لا تغيب عن ذاكرتنا أبداً، فقد كان العيد في الماضي مختلفاً عن عيد هذا الزمان بسبب تغيُّر وتطوُّر المكان وتوفُّر المال

كل عام وأنتم بألف خير، أعاده الله علينا وعليكم بالصحة والعافية وتقبل الله من الجميع الصيام والقيام، وكل عام ووطني بخير وعزة ورفعة وشموخ، عيدكم مبارك لمن هم الآن على ثغور الوطن لحمايته من الأعداء، العيد مبارك لكل طبيب ولكل عين ساهرة تعمل في أيام العيد.
للعيد حلاوته وذكرياته التي لا تغيب عن ذاكرتنا أبداً، فقد كان العيد في الماضي مختلفاً عن عيد هذا الزمان بسبب تغير وتطور المكان وتوفر المال، كنا نبحث أيام زمان عن العيدية التي يُسعدنا بها كبار السن من رجال أو نساء، وكنا نفرح بملابسنا الجديدة وبالهدايا التي تُقدم لنا، أما الآن فالهدايا أصبحت على مدار الزمان، واللبس أصبح بأشكاله وألوانه متاحاًً للأغلبية من الأولاد، فأصبح العيد يمر على أولادنا مرور الكرام، بل إن بعضهم يتأفف من يوم العيد بأنه ممل ولا فرحة فيه، فتجد الأغلبية نياماً لا يشاركون في صلاة العيد وكسب أجرها وفضلها، فتبدلت الأحوال من زمان إلى زمان.
من مظاهر العيد الحسنة بعد اللبس والسلام العفو عمن أساء إليك، لأن العفو من شيم النبلاء والكرماء، ومن علامات الأنقياء، ومن صفات المحبين والمتسامحين، فتصفية القلوب من الشوائب في نهاية رمضان وقدوم العيد من أعظم الأعمال، يجب أن ننشر الحب والسعادة بيننا، خاصة بين الأقارب والأصدقاء والإخوان، وأن نغفر زلات بعضنا مع بعض، ونعفو ونتسامح وننشر الابتسامة يوم العيد وبعد يوم العيد، التسامح نعمة من نعم الله إذا تفضل بها على عبده وجعله رجلاً سمحاً فهذه من الفضائل الجليلة التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فحري بنا في يوم عيدنا وفرحنا أن نفتح صفحات جديدة مع من أساؤوا إلينا أو هضموا حقوقنا، لأن العيد فرصة لا تعوض في تصافي القلوب ونقائها.
هناك من يمر عليه العيد وهو في حالة مزرية إما بسبب مرض أو سجن لا قدر الله أو حالة اكتئاب أو فقدان حبيب أو رفيق أو صديق، فلا يستطيعون أن يفرحوا بالعيد ولا أن يشاركوا الناس عيدهم وفرحهم، وقد سطر لنا التاريخ عبر مصادره مواقف عديدة لبعض الشخصيات التي مر عليها العيد وحالتهم التي قد تبدلت من حال أفضل إلى حال أسوأ، فهذا المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية وهو أحد حكام الطوائف في الأندلس وكان ملكاً وشاعراً تُضرب له آباط الإبل من كل مكان لحضور مجالسه الشعرية والثقافية، إلا أن القدر لم يمهله بسب الدسائس التي حيكت ضده من قِبل رجال يوسف بن تاشفين ملك المرابطين في المغرب، فعندما قدم ابن تاشفين إلى الأندلس لإنقاذه من السقوط بيد النصارى، وبعد انتهاء موقعة “الزلاقة” الشهيرة سنة 479هـ التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً عظيماً على ألفونسوا ملك النصارى، قبض ابن تاشفين على المعتمد بن عباد وعلى جميع أفراد عائلته وصادر أمواله وأرسله إلى المغرب حيث سُجن في مدينة “أغمات” قرب مراكش وقيِّد بالحديد وهو في السجن وزوجته اعتماد الرميكية مقيدة أمامه، وسمع أن بناته يعملن في غزل الصوف للحصول على أموال يعشن بها، كلما مر عليه العيد تذكر أيامه وهو في إشبيلية، وتذكر تحقيق طلب زوجته اعتماد عندما رأت حالبات اللبن يخضن في الطين وهن يمشين مشمرات عن ثيابهن، وكانت تطل عليهن من القصر، فطلبت من زوجها المعتمد أن تفعل مثلهن، فجاء بالطيب مع الكافور وخلطه في ساحات القصر وجعلها تمشي مع بناتها وجواريها مثلما كانت الحالبات يمشين، فتذكر ذلك الحال فأنشد هذه الأبيات:

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فساءك العيدُ في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهن رأيت الفقر مسطورا
معاشهن بعيد العز ممتهن
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

إلى أن قال:

يطأن في الطين والأقدام حافية تشكو فراق حذاء كان موفورا

ثم قال:

أفطرت في العيد لا عادت إساءته ** ولست يا عيد مني معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مبتهج ** فعاد فطرك للأكباد تفطيرا

إلى آخر الأبيات التي قالها المعتمد بن عباد في سجنه وهو في حسرة وندم عندما هلّ هلال العيد عليه وهو في تلك الحالة، والمتنبي ليس ببعيد عنه عندما وصف حاله وهو عند الإخشيدي في مصر عندما جاء العيد فقال قصيدة سُميت بـ”دالية المتنبي” قال فيها:

عيد بأي حال جئت يا عيد
بما مضى أم بأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيداً دونهم بيد.

أعاد الله علينا أعيادنا باليمن والبركات، وحفظ الله بلادنا ومقدساتنا من كل مكروه، وجعلنا من المقبولين عنده، إنه سميع مجيب الدعوات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٥) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٥)