صحيح أن الاقتصاد اليوناني هو من الاقتصادات الصغيرة في العالم، باعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي لايتجاوز ناتج ولاية صغيرة في أمريكا، وبالتالي فإن ما قاله كبير الخبراء الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي أوليفييه بلانشار يوم الخميس الماضي بأن «خروج اليونان المحتمل من منطقة اليورو سيكون له أثار محدودة على بقية العالم» هو قول فيه من الوجاهة التي يعتد بها لكن العدوى قد تنتقل إلى البرتغال وإسبانيا وإيطاليا، وهنا ستكون المشكلة التي تتحاشاها العواصم الكبرى في الاتحاد الأوروبي. إلا أن الصحيح أيضا أن اليونانيين ورغم ما فعلته الأزمة الاقتصادية من آلام، وجدوا في وصفات التقشف الأوروبية إهانة كبيرة لهم، خصوصا أنهم مهد الحضارة الغربية حسب ما يعتبره المؤرخون. اليونانيون صوتوا ب»لا» كبيرة للإفقار، لأنهم كانوا يستذكرون شعارهم الوطني «الحرية أو الموت» ويرددون نشيدهم الوطني بموسيقاه الراقية والمعنون بـ «ترنيمة للحرية»، ولأنهم وجدوا في قيادة شابة إمكانية التعبير عن آمالهم وطموحاتهم بعد سنوات من التيه الذي عاشوه مع الوصفات المالية المتتالية التي زادت من الديون حتى باتت غير قادرة على تسديد فوائدها.
ربما كانت الشحنات العاطفية التي انتابت اليونانيون هي السبب في رفض الجرعات التي تقدم بها الدائنون، كما أن العقل الباطني اليوناني استحضر كثيراً من الأشياء من التاريخ المضيء لهذه الدولة العريقة التي حاربت على جبهات عدة لتؤسس دولة تستقي ديمقراطيتها من إرث تعتمده أوروبا وأمريكا في أيامنا هذه حين تأتي لصياغة واقعها الديمقراطي الداخلي، على الأقل.
يبلغ عدد سكان اليونان 10 ملايين و990 ألف نسمة في يناير 2014، متقلصا من 11 مليون و62 ألف نسمة التي كان عليها في العام 2013. وتصل مساحة اليونان إلى أكثر من 131 ألف كيلومتر مربع وهي بذلك تعادل مساحة كل من الأردن وفلسطين مجتمعتين، وفيها 9841 جزيرة أكبرها جزيرة كريت. وتحاذي اليونان من الشمال كلا من بلغاريا وجمهورية مقدونيا وألبانيا، ومن الشرق بحر إيجة وتركيا، ومن الغرب والجنوب البحر الأيوني والبحر الأبيض المتوسط. وتمتلك اليونان إرثا حضاريا يحفر في آلاف السنين. لايبدو مسؤول صندوق النقد الدولي مكترثا كثيرا بمأزق اليونانيين، ولذلك لا يتردد في القول «في عالم تثقل فيه الديون كاهل الكثيرين لا بد أن نكون مستعدين لوقوع أحداث كهذه».
من أجل استقلالها ووحدة أراضيها، خاضت اليونان حروبا طاحنة منذ ما قبل الميلاد حتى العقود الأولى من القرن العشرين. فقد كانت البلاد عبارة عن تجمع من المدن المستقلة عن بعضها بعضا مثل اسبرطة العسكرية وأثينا المدنية والديمقراطية ومدن أخرى بنت جميعها ما يشبه المستعمرات التجارية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وقاومت توسع الإمبراطوريات الأخرى ومنها توسعات الفرس في المنطقة التي قاومتها وأنقذت أوروبا منهم خصوصا في معركتي ماراثون البرية وسالاميس البحرية عام 480 قبل الميلاد. وهذا ليس الفضل الوحيد لليونان على أوروبا، بل إن تلك المدن شكلت ثقافة عريقة ومنبعا رئيسا للحضارة الهيلينية التي انتشرت بعد تأسيس الإسكندر المقدوني إمبراطوريته.
ربما لم ينتبه القادة الأوروبيون للفضل اليوناني القديم والقيمة المضافة التي قدمتها الحضارة الهيلينية التي أسست حضارتهم وبلدانهم الحديثة المستندة على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكن تلك البلاد الصغيرة وضعت اللبنات الأساسية للمبادئ السامية التي تسير عليها منظمة الأمم المتحدة وتصدر وثائقها انطلاقا منها. صحيح أن اليونان استقلت في 1829 بعد حروب طاحنة مع الدولة العثمانية وتم الاعتراف بها بعد عام من ذلك من قبل فرنسا وروسيا وبريطانيا، إلا أن هذا الاستقلال كان ناقصا فاستمرت الحروب حتى أفول نجم الدولة العثمانية وتأسيس الدولة العلمانية على يد كمال أتاتورك وبقيت الخلافات قائمة حتى تفجرت في جزيرة قبرص منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما اشتعلت الحرب الأهلية وانقسمت الجزيرة على أساس الأصول العرقية فكانت دولة شمال قبرص التي لم تعترف بها إلا تركيا التي أسستها، وجمهورية قبرص التي أصبحت عضوا في الاتحاد الأوروبي وأصابتها عدوى الدين العام قبل اليونان وفرضت عليها شروطا مجحفة لم تتمكن من رفضها.
إن الخوف الذي ينتاب دائني اليونان يتركز في إمكانية انتقال العدوى للدول الأخرى التي تعاني من وصفات الدواء المر، رغم محاولة إخفاء هذا القلق الذي ينتاب الدوائر الاقتصادية والسياسية على حد سواء. فبعيد الإعلان الأولي عن فوز حزب سيريزا اليساري اليوناني، أشاد رئيس حزب بوديموس الإسباني المناهض لليبرالية بهذا الفوز وقال «أتى الأمل وذهب الخوف»، وهو محق في ذلك نظرا لما سيشكله نجاح اليسار اليوناني من رافعة مؤثرة، ولو معنوية، لباقي اليسار الأوروبي الجديد المتوثب الذي حصد مقاعد مهمة في الانتخابات الأوروبية العام الماضي عندما تمكنت هذه الأحزاب من جذب الناخبين، فحصلت خلال الانتخابات الأوروبية على 20 % في أيرلندا و17 ٪ في البرتغال، و11 ٪ في السويد، حوالي 10 ٪ في هولندا، و9 ٪ في ألمانيا وفنلندا، و8 ٪ في الدانمرك.
المحظور الذي يحاول رئيس الحكومة اليونانية تجنبه هو أن تفرض على بلاده وصفات تم رفضها في الاستفتاء لتبدأ رحلة التراجع الشعبي. ويبدو أن هذه هي المعركة المقبلة للحكومة خصوصا بعد أن رشحت أنباء عن تقديمه خطة للاتحاد الأوروبي وصفتها دوائر الاتحاد بأنها شاملة، ما حدا برئيس مجموعة وزراء المنطقة يزرن ديسلبلوم إلى القول بأن قرارات مهمة» يمكن أن تتخذ في اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو المقرر لها اليوم السبت. فهل يتمكن أليكسيس تسيبراس من خوض معركتين في آن واحد: معركة الدائنين، ومعركة ردود الفعل في حزبه وتكتله الحاكم الذي يستحوذ على 162 مقعدا من أصل 300 مقعد في البرلمان اليوناني؟
وكيف سيترجم التكتل الحاكم الشعار الوطني «الحرية أو الموت»؟..يتبع

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٥)