الشارع هو المتنفس الأجمل والأبهى للإنسان، فعندما يضيق صدره من جو البيت، يلجأ إلى الشارع، ذلك الفضاء الرحب، مساحة لا تخنقه فيها الجدران، ولا تحده الأسقف، لولاه -أي الشارع- لعاشت المدن في ضيق، فهو شريان نابض، يهيئ للإنسان متنفساً ولعينيه جمالاً، ولمشاعره بهاء، وللسيارات عبوراً، وللشوارع أسماء وأحجاماً، منها وبها تدب الحياة، فهناك الشارع السياسي والصحافي والثقافي، وشارع البؤس وشارع الأمل، أما كيف يحدث ذلك؟ فإن الشارع الذي تقصفه الصواريخ وتؤزه الرشاشات فإنه بلا شك شارع أقرب للموت من الحياة، ويمكن مشاهدة تلك الشوارع التي تهدمت وتآكلت بفعل القصف الناري، فأضحت خرائب لا تطاق، أما الشوارع الرحبة ذات الأرصفة المنظمة، والأعمدة المضاءة، والأشجار المموسقة الخضراء، يرتع في أحضانها الأمل، وتنتعش في أحداقها الحياة، بعض الشوارع أصبحت مزارات سياحية، لحسن تنسيقها، وبهاء منظرها، وروعة مبانيها، تجذب الأنظار، ويشد السائحون إليها الرحال، كالشانزليزيه الفرنسي وسوفرينا السويسري وغيرهما من الشوارع الشهيرة في مدن العالم، عراقة ومعاصرة، حيث أضحت واجهات للتسوق، وأمكنة لسكنى الأثرياء والمشهورين.
لاحت لي هذه الفكرة وأنا أتمعّن في أسماء شوارع مدينة جدة، فهناك شوارع تحمل أسماء لم أتمكن من تهجية نشاطها الفكري أو الثقافي أو حتى الاجتماعي، رغم استعانتي بالسيد «قوقل»، مما دفع سؤالاً مهماً يقفز إلى السطح، على أي أساس تنظيمي تتكئ اللجان السابقة أو الحالية التي أسندت إليها هذه المهمة؟ هل على أساس تاريخي أم اجتماعي أم ثقافي؟ المشكلة حالياً تكمن في عدم التمكن من تغيير تلك الأسماء التي ليست لها علاقة بتلك المعطيات والمعايير، لقد أصبحت جزءاً من هوية المدينة، حيث ارتبطت أسماء الشوارع بأسماء الحيازات الملكية لساكنيها، فمن الصعوبة تغيير مسمياتها رغم عدم ملاءمتها.
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر فسبق أن طُرح مقترح من عدد من الكتّاب بإطلاق اسم الروائي والأديب عبدالعزيز مشري -يرحمه الله- على أحد شوارع الباحة المحورية أو البينية، ورغم أهمية الطلب، ولأن هذا الاسم يتسق ومعايير اختيار أسماء الشوارع على مستوى جميع مدن المملكة، فالمشاهير والشخصيات الاعتبارية سواء على مستوى المملكة أو المنطقة والمشهود لهم بمكانتهم العلمية أو الفكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو التربوية، لهم الحق في اختيارهم، إلا أننا وإلى هذا الوقت لم نرَ شيئاً، ولا أدري هل هناك لجنة مشكّلة في منطقة الباحة على هذا الأساس؟ وإذا كانت موجودة نتمنى أن تبرز جهودها بإخبارنا عن الأسماء التي طرحتها، وسؤالنا الملح، لمَ لا يَنْضم عددٌ من المثقفين إلى اللجنة، للمشاركة برؤاهم وأفكارهم؟ لكون العمل يتعلق بهوية المدينة وتاريخها وجغرافيتها وشخصياتها الحالية والتاريخية، لا أدري لِمَ الجهات المعنية تراخت عن طرح هذا الاسم وغيره من الأسماء التي خدمت المنطقة اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً؟ ويمكن تذكيرهم ببعض الأسماء مثلاً الطفيل بن عمر شخصية تاريخية جديرة بإطلاق هذا الاسم على شارع حيوي سواء في المندق أو غيرها، ومثله أبوظبيان حامل راية التوحيد في معركة القادسية، أو الشنفرى صاحب لامية العرب، عبدالله بن سليم الغامدي أحد شعراء العهد الجاهلي، ولنأتِ إلى العهد القريب كمحمد بن ثامرة وعبدالله الزرقوي، وجماح، والزبير، وغيرهم، هؤلاء شعراء تحتفظ الأجيال الحالية بجميل قصائدهم المحملة بالحكمة والشجاعة، ولنعرج إلى مواقع جغرافية كوادي قوب وادي ثراد وادي الأحسبة، وادي بيدة، وادي ناوان، أو أسماء لجبال شهيرة كجبل شدا، الخلب، بهول، نيس، أثرب، الباهر، شهبة، ربا، عيسان، شمرخ، والمسمى الشامل جبال السراة، أو المواقع السياحية كرغدان، وعمضان، جُدر أو الأثرية ذي عين، عشم، الخلف والخليف، العصداء. تلك الأسماء جزء لا يتجزأ من البيئة الباحية لتربط الإنسان الحالي بالموجودات التي حوله، سواء كانت بشرية أم طبيعية.
ومضة: جميل جداً أن تبث إمارة منطقة الباحة روح التنافس بين ملاك الشقق المفروشة في منطقة الباحة، بمنح جوائز لأفضل خمس شقق مفروشة، ويأتي ذلك في إطار خدمة السياحة والسيّاح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٧) صفحة (١١) بتاريخ (١٣-٠٧-٢٠١٥)